مدونة محمود الريماوي

« | »

تحصين إنسانية الإنسان

تحصين إنسانية الإنسان محمود الريماوي * يتصور الإنسان السوي أن الجريمة لا وجود لها . فهو ينفر أشد النفور منها ، لم يقترفها يوماً ولا يفكر بارتكابها ، وغالبا ما يكون وسطه الاجتماعي على شاكلته : نابذاً للجريمة وغريباً عنها  ، يقدس الأمن والأمان ، ويمقت العنف .الجريمة تقع في مكان بعيد على أيدي اشخاص لا يعرفهم . في بيئة غريبة يصعب فهمها أحياناً ،وكلما وقعت فوجىء بها ، حتى لو كانت "بسيطة " وتصنف على أنها جنحة أو حتى مخالفة .لا يتعايش السوي على أي وجه مع الجريمة .ومن فرط انقطاعه عنها ، تبدو له مجرد حدث إعلامي تصنعه وسائل الإعلام . او مسلسلاً تلفزيونيا . فيلم سينمائي ، رواية ، قصة قصيرة .وحتى هذه لا يستسيغها دائما .فالأصل هو الامتناع عن العنف والجنوح الى السلم ، حتى لو قتل قابيل هابيل " في فجر الخليقة " .قانون السلم ونبذ العنف هو ناموس مدني.يتصل بالقناعة ان الدولة وحدها تحتكر العنف وتحت مظلة القانون .وأبعد من ذلك فدور الدولة وقائي بمنع وقوع العنف لا معاقبة فاعليه ومخططيه فحسب . والصورة الأكثر قرباً للجريمة هي الإعتداء والإيذاء وصولا الى القتل .الرفض التلقائي للقتل وصعوبة تصديقه ، لا ينم عن روح "مثالية " بقدر ما يمثل تحصيناً لإنسانية الإنسان ، وعاصماً معنوياُ وعاماً  من الوقوع في البربرية .من المفارقة أن قتل فرد واحد يثير النقمة أكثر من سواه . لعل السبب يعود إلى أن متلقي الخبر الفرد، يسعه تخيل فداحة الجريمة بالقياس عليه هو، إذ يسهل  حينها تصورنفسه في موقع الضحية . كذلك الامر حين يكون القاتل معلوما ، فالنقمة تشتد على الفاعل المعلوم المتعين ، لكنها لا تجد مسرباً لها حين يكون القاتل مجهولاً . تصعب النقمة على شبح .على هذا فالناس يتعاطفون مع ضحايا الجرائم الفردية ممن تحفل وسائل الإعلام بأخبارهم . اما الجرائم الجماعية التي يسقط فيها أعداد اكبر ، فإن ارتفاع الرقم يمنع من التشخيص ، من التجسد في المخيلة ، فيبقى الرقم هو العالق .يقرأ القراء خبراً عن جريمة قتل ،تقع في عائلة أو حي أو بين أرباب مهنة واحدة ، فتثور النقمة على المرتكبين .لكن ضحا يا المجازر  والحروب الكثر فيتحولون الى ارقام بلا اسماء ولا هوية . الاسرائيليون انتبهوا لهذا الأمر ويقال إن متحف الهولوكست في تل ابيب يضم أعدادا هائلة من أسماء الضحايا وصورهم ، لإنقاذهم من التعمية ومن الرقمية ، ولضمان التعاطف معهم. وعقب وقوع عمليات تفجيرية كان يرتفع نصب في المكان عليه أسماء من سقطوا وأعمارهم . باستثناء أصحاب اسماء معروفة  أودت بهم  آلة القتل الإسرائيلية ،فلا أسماء ولا هوية محددة لضحايا الصهيونية الذين سقطوا وما زالوا يسقطون منذ ثمانية عقود . ضحايا الاحتلال والعنف في العراق  هم كذلك ضحية تجهيل اسمائهم وهوياتهم . البشر الأسوياء وهم الكثرة الكاثرة ، ينفرون  أشد النفور من الجريمة . يتعذر عليهم حتى تخيلها .* رئيس تحرير صحيفة "السجل" 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba