مدونة محمود الريماوي

« | »

طرف غير اوروبي وغير مسيحي

طرف غير أوروبي وغير مسيحيمحمود الريماوي*                                                دأبت تل أبيب على المطالبة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ،وقد تواكبت هذه المطالبة مع المطلب التركي بهذا الشأن . مؤخراً بعثت الوزيرة الصهيونية تسيبي ليفني بطلب جديد لانضمام دولتها إلى الاتحاد على لن يبدأ الأمر بصفة "شبه عضو" حسب رسالة الوزيرة . الراجح في ظروف التوازنات والتحيزات الأوروبية، أن تحقق تل أبيب بعض مطالبها ،فهناك أغلبية أوروبية تؤيد "الارتقاء بمختلف أشكال العلاقات مع الدولة العبرية" فلا يبقى للفلسطينيين والعرب وكما درجت العادة سوى اللوم والتشكي. وقد دأبت تل أبيب على ابتزاز الأطراف الأوروبية والتعريض بقادتها ورفض استقبالهم . ورفضت على الدوام أي دور سياسي مستقل  للإتحاد الأوروبي في مساعي التسوية ، وجرى اتهام أوروبيين كثر بالانحياز غلى العرب والفلسطينيين لمجرد أنهم يطالبون بالاحتكام إلى القرارات الدولية ، أو لأنهم لا يبدون رضاهم عن حجم الجرائم الجماعية التي يرتكبها الاحتلال .انتهى الأمر ألى اقتصار الجهد الأوروبي على الدعم المالي المباشر للسلطة الفلسطينية ومساعدات أخرى بعضها إنسانية وبعضها الآخر يذهب إلى هيئات أهلية ( مؤسسات مجتمع مدني كما درجت التسمية) .فيما تم قبول الاتحاد الأوروبي عضواً في الرباعية الدولية ، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة .وقد نجحت واشنطن بالتواطؤ المكشوف مع تل أبيب في تحويل الرباعية إلى هيئة شبه استشارية ، لا تتمتع قراراتها بأية إلزامية ، وذلك مع الفصل التام بينها وبين الأمم المتحدة رغم أن المنظمة الدولية عضو فيها  ورغم ان أعضاء الرباعية هم أعضاء دائمون في مجلس الأمن : فرنسا، بريطانيا ، روسيا ، الولايات المتحدة . يجري أحيانا من طرف واشنطن وتل أبيب  استخدام بعض توصيات الرباعية  للضغط على الطرف الفلسطيني ، أما انتقادا الرباعية الدائمة والروتينية للاستيطان، فتظل بمثابة مواقف إعلامية لا تقدم ولا تؤخر . ولا تثير حتى الفضول لقراءتها . انضواء الدولة العبرية في الاتحاد أو الفضاء الأوروبي ،  حتى ولو بعضوية غير كاملة في بداية الأمر ، من شأنه منح مظلة لهذه الدولة المارقة كشريك في القارة الأوربية يمتع بالإعفاءات والامتيازات الاقتصادية والتجارية والمزيد من التعاون العسكري ، وحتى وجود ممثلين  صهاينة في البرلمان الأوروبي .وهو ما يحد من صفة الدولة العبرية كرديف وامتداد أميركي في منطقة الشرق الأوسط .كل ذلك والدولة الأوروبية ليست جزء من أوروبا ، وإن كان يروق للصهاينة وصف دولتهم بأنها جزء من العالم الغربي و"قطعة من أوروبا" . التحفظات التي ثارت بخصوص انضمام تركيا ، تتراجع ويبتلع المعترضون ألسنتهم . ف"النادي المسيحي" ، بات قابلا  هذه المرة لاستيعاب دولة "غير مسيحية" .الفروق الثقافية يتم القفز عنها، والدولة العبرية بوصفها دولة دينية يهودية تصبح مقبولة في فضاء علماني، أما تركيا وحتى قبل صعود حزب العدالة والتنمية فإنها تتوفر على شبهة اختلاف ديني.الأسوأ من ذلك هو البعد السياسي ، فالدولة العبرية القائمة باحتلال أراضي الغير منذ واحد وأربعين عاماً ، لا يجري تعريفها أو تحديد هويتها الجغرافية، بمعزل عن الأراضي التي تسيطر عليها بالسطوة المسلحة . التعامل معها هذا الأساس يشكل مكافأة للاحتلال كما تحدث مسؤولون عرب وفلسطينيون . والخشية أن يبلغ الأمر درجة إسباغ الشرعية على الاحتلال بصرف النظر عن مواقف أوروبية رافضة للاحتلال وداعية للسلام  ذلك أن تفعيل ضم الدولة العبرية إلى هيئات الاتحاد ولو بالتدريج، سوف يجعل الاتحاد محكوماً بتعريف هذه الدولة ل"نفسها"  ولعاصمتها : القدس المحتلة . وبما لا يترك "مبرراً " لعدم نقل سفارات أوروبية إلى مدينة محتلة .. تنأى دول أوربية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا عن تاريخها الاستعماري، وتعتبره حقبة ولت إلى غير رجعة حتى لو لم تعتذر بعد عن الملفات السوداء لذلك التاريخ. بالقبول الجزئي للدولة العبرية ، تتم العودة إلى قرون مضت ، بتشريع الاحتلال والاستعمار والاحتكام إلى منطق التفوق والغلبة .. أي العودة إلى حقبة بربرية ، لكن مع قدر أكبر من الخبث : القبول الفعلي بهذه الواقعة الشائنة ، مع الانتقاد اللفظي لها جنباً إلى جنب .  لدى الأوروبيين مصالح هائلة مع العالم العربي غير قابلة للحصر . لا يجري تفعيل الوزن العربي لتفاهمات سياسية وثيقة مع الأوربيين ، ولربط هذه التفاهمات بخطوات سياسية محددة. وليس سراً أن غالبية الأوروبيين يحسبون حساباً لتل أبيب، بأكثر مما يفعلون مع العرب مجتمعين .والذريعة هي الابتزاز "الاسرائيلي" والحساسية تجاه المسألة اليهودية . أما حقبة الاستعمار البشعة والطويلة ، لمشرق العالم العربي ومغربه ، فلا تثير كما يبدو حساسية تاريخية تذكر لدى أوروبيين رسميين .ليس هناك ما يمكن تسميته ب"المسألة الاستعمارية" كمصطلح يختزن إرثاً من الذكريات والذنوب،  في مقابل المسألة اليهودية التي تمنع حساسيتها الاعتراض على أية فظائع ، وهو ما يمكن ملاحظته بخفوت الأصوات وقد لا تكون قليلة العدد  التي تعترض على تسلل الدولة العبرية إلى اتحادهم القاري.لدى الأوروبيين قوى عريضة مناصرة للحقوق العربية وبلادهم تتسع لملايين العرب المهاجرين ، هذا التداخل في المصالح لا يثمر رؤى استراتيجية مشتركة ، بينما تنجح في ذلك دولة مارقة تمثل قلعة العنصرية في الشرق الأوسط . *رئيس تحرير صحيفة "السجل"     

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba