« |
»
03 حزيران, 2008
عرب يهود يزورون بلدانهم كالفاتحين
عرب يهود يزورون بلدانهم ك"الفاتحين"محمود الريماوي* كان من المقرر أن يعقد في القاهرة قبل أيام مؤتمر للمصريين اليهود ، لكن اسباً ما ارجأت انعقاده. الحدث لافت رغم أنه ليس الأول من نوعه.فتوافد يهود من أصول مصرية ومغاربية على بلدانهم الأصلية يتواتر منذ مطالع ثمانينات القرن الماضي .في حالة تونس والمغرب لم يتطلب الأمر إبرام معاهدة سلام لاستقبال اسرائيليين تمتد جذورهم في هذين البلدين . السياحة الدينية ثم الاستثمار السياحي عموماً ،معطوفاً على أغراض سياسية وبالذات في العلاقة مع مؤسسات أميركية ، حمل على استقبال هؤلاء. ومع توقيع اتفاق المبادىء إعلان اوسلو عام 1993 وفتح مكاتب تجارية متبادلة رفع الحظر بصورة شبه كلية عن قدوم هؤلاء.مصر التي وقعت في مبكر معاهدة الصلح ،كانت سباقة في استقبال، هؤلاء مع من هم من أصول شتى ، كذلك فعل الأردن بعد توقيع المعاهدة الثنائية مع تل أبيب عام 1996 .غاية هذا المقال هي التأشير إلى استثمار الطرف الآخر لكل جوانب ومقدمات الصراع ثم جوانب التسوية لمصلحته ، مع تبديد الأطراف العربية لمثل هذه الفرص والمناسبات.ابتداء يجري التعامل مع هؤلاء من ذوي الأصول العربية ،باعتبارهم زواراً مميزين ينتمون لدولة أجنبية، وخلافاً لواقع الحال فجذورهم في البلدان التي يزورونها ، وقد اختار هؤلاء التخلي عن وطنهم ومجتمعهم ،والانتساب إلى دولة أخرى هي في حالة حرب مع بلدانهم الأم وبعضهم خاض حروباً ضد بلده الأصلي .يتم إغفال هذا الوقائع ، وبدل أن يحل هؤلاء وتعتريهم مشاعر الخجل ، فإنهم يفدون ك"الفاتحين" .في حالة تونس والمغرب لم يجر تميز ضد اليهود ولا حملوا على الهجرة ومع ذلك اختاروا ما اختاروه ، وكثير منهم قصد فرنسا والولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى .لا يتحدث الضيوف الكرام في بلدانهم الأصلية التي يزورونها عن تسوية يجب أن تتم، وسلام يؤمل أن يعقد بإطفاء المظالم واحترام مواثيق حقوق الإنسان والشعوب ، لكنهم يبشرون خلال زياراتهم الميمونة بتكريس الأمر الواقع الاحتلالي ويروجون للدولة العبرية التوسعية التي تستولي على بيت المقدس .لا يأتون على ذكر القضية الفلسطينية .في الغالب الأعم هم سفراء لليمين الأكثر تطرفاً .ويطلبون الترحيب بهم على هذا الأساس ، وينالون الكثير منه للأسف .بذلك يقدمون نموذجاً لا مثيل له : يمكن للمرء أن ينسلخ عن جذوره وأن ينضم لدولة دينه ،ثم يخوض حروباً ضد بلده وشعبه الأم ، وبدعئذ يلقى الترحيب حين يزور بلد الأجداد ويروج هناك للتفوق الذي يجيز الاستيلاء على أرض الغير وبذلك يكون هناك سلام...في مصر كما في العراق تعرض يهود كمسلمين ومسيحيين لاضطهاد في أيام الملكية وحتى بعد قيام ثورة 1952.تغير الحال بعئذ قي مصر : لا أحد يريد العودة إلى وطنه الأصلي مع تغير الظروف .يأتون كاسرائيليين يرطنون بلهجة مصرية هجينة ولا يعبأون بآلاف من السنين عاشها أسلافهم في الوطن المصري، ويجري احتسابهم على الطريقة الصهيونية على أنهم ولدوا في مصر ..فقط .يبحثون عن أملاك مصادرة لهم تستحق معالجتها وفق القانون المصري والقانون الدولي ،مع احتساب أنهم شاركوا أو أسهموا في حروب ضد بلدهم الأم وهو ما قد يستحق تعويضاً من طرف هؤلاء.في قوانين العديد من دول العالم يُسمح بازدواج الجنسية أو التخلي عنها واكتساب جنسية أخرى ، وما يستحق النظر بعدئذ هو : ماذا يترتب قانوناً على انضمام مواطنين إلى دولة في حالة حرب مع دولتهم الأصلية؟ .من الواجب تفحص هذا السؤال والتماس إجابة شافية عليه في ضوء فحوى القانون ، من أجل التعامل مع هؤلاء كما هم عليه في تباهيهم بتخليهم عن جنسية ومواطنية بلدانهم الأصلية ،ويطلبون مكافأة وتكريماً لهم على هذا "الإنجاز".حين تعمد الدولة العبرية إلى محاسبة أي يهودي في العالم، لا ينتمي لهذه الدولة وتفرض عليه مثل هذه المرجعية بصورة متعسفة لكنها فعالة ، فلماذا من طرفنا كعرب يتم التعامل مع مواطنين "سابقين " خاضوا حروباً ضدنا بتناسي هذه الوقائع غير القابلة للنسيان ، وبما يمهد عملياً لإطلاق أشكال من الابتزاز، هي في واقع الأمر امتداد واستئناف لحالة الحرب، وتحت ستار من تعزيز السلام والتمتع بثمراته.. وهي تتحول ثمرات سامة في أداء الإسرائيليين إزاء الدولة العربية الكبرى .وما هو أسوأ من ذلك في المضي بإشعال حروب قذرة ضد بلدان وشعوب شقيقة ،وأيضا تحت ستار من سلام أجوف.هناك حاجة لاحترام مقتضيات القانون، كما في حالة أملاك مصريين يهود تمت مصادرتها من قبل ، أو أية حقوق لأي مصريين آخرين وحتى لغير المصريين . غير أنه لا يمكن إغفال الجوانب السياسية ، أو الاستخفاف ب"خصوصية " وضع المصريين اليهود في السياق التاريخي للأحداث ،التي أحاطت بنشأة الدولة العبرية وتهديدها الدائم والذي لم ينقطع حتى أيام الناس هذه لمصر ولسائر محيطها.ومن أجل السعي لسلام عادل شامل يستحق مسماه ،ويتم حتى الآن الافتراء عليه وتفريغه من أي معنى من طرف الدولة العبرية التي تستخف بحقوق الآخرين وبعقولهم سواء بسواء. وتبلغ بها القحة درجة تطلب معها مكافآت على جرائمها، بدل أن تقوم هي بالاعتذار وأداء التعويض ( جرت محاولات لتدفيع سجناء فلسطينيين ثمن نفقات استضافتهم في سجون وراء الشمس) .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات