« |
»
17 ايار, 2008
الصداقات السياسية
الصداقات السياسية محمود الريماوي* تقاسم السلطة في روسيا بين الرئيس الجديد ميدفيديف، وبين الرئيس السابق ورئيس الوزراء الحالي بوتين، يشكل تجربة مثيرة،هي الأولى في روسيا، فلا جذور هناك لتجربة الحكم برأسين كما يقول محللون روس وكما تشهد الوقائع بذلك. غير أن التجربة تثير مع ذلك الفضول، فهي تدل على أن التحول الديمقراطي يشق طريقه ويتكرس في بلد الأباطرة والقياصرة، فلم يلجأ بوتين لتعديل الدستور والتمتع بولاية ثالثة، كما حدث ويحدث في العديد من الدول. تم بذلك الاحتكام إلى الدستور. ومعه تبرز ملامح تحول لا يعود فيه للكرملين المكانة الكبرى في تقرير كل شيء. يتردد أن طموح بوتين هو تحويل النظام الروسي، إلى نظام برلماني حيث تتمتع الحكومة بسائر الصلاحيات الفعلية، فيما يبقى منصب الرئيس فخرياً كما هو الحال في العديد من دول أوروبا الغربية. قد يكون ذلك سابقاً لأوانه فلو تم في ظروف الانتقال هذه، لبدا ما يحدث أقرب إلى انقلاب ناعم لكنه فعلي. بوتين يثبت مرة أخرى ذكاءه الحاد فلا يعمد إلى ذلك.لا ضمانات بأن تنجح تجربة تقاسم السلطة، ولا شيء يومىء حتى الآن بأن الاتفاق هش. إذ يشق طريقه بقدر ملحوظ من السلاسة. مغزى ذلك انه من السابق لأوانه الحكم على مستقبل هذه التجربة التي تثير التأمل، لما تنطوي عليه من شراكة وتنازلات متبادلة وطرح كل عنف جانباً، وتستدعي إلى الذاكرة حالات قليلة مماثلة. من هذه الحالات في العالم العربي تجربة السودان بين الرئيس عمر البشير وبين حسن الترابي. صمدت التجربة لبضع سنوات (النصف الأول من عقد التسعينات) غير أن الاختلاف لم يلبث بعدئذ أن أطل برأسه. فلئن كان الرجلان ينتميان لفضاء عقائدي واحد، إلا أن الترابي ذهب بعيداً في أدلجة الحكم السوداني وفي الانتقاص من صلاحيات الرئيس. فيما كان يجري تقاسم بين زعامة حزبية وبرلمانية للترابي، مقابل رئاسة الدولة والقوات المسلحة للبشير. مزاحمته على السلطة وتمرده أدت إلى إقصائه ثم اعتقاله. انتهت التجربة. فعاد الترابي حزبياً يقود حزباً خاصاً به هو حزب المؤتمر الشعبي، انشق في الأصل عن الحزب الوطني الذي كان يجمعه مع البشير. في تركيا حققت التجربة نجاحاً هائلاً. ثنائية محمد رجب أردوغان، وعبدالله جول صمدت. تبادل الرجلان موقعي رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية، وكذلك رئاسة حزب العدالة والتنمية. جرى التعامل بمرونة وحكمة مع المقتضيات الدستورية والقضائية لتبادل المواقع بينهما، إلى أن جرى تصعيد جول لرئاسة الجمهورية في تقاسم جديد احتفظ فيه أردوغان برئاسة الحكومة. الصداقة الشخصية تجسدت في صداقة حزبية وسياسية صمدت بل أثمرت بين الرجلين وأمكن عبرها تحقيق نتائج باهرة أخرجت الرموز التقليدية والتاريخية من الساحة السياسية وإلى غير عودة كما هو ظاهر وشبه مؤكد. ليست المزايا الشخصية هي ما جمعت بينهما فقط، بل كذلك الرؤى المتقاربة والروح الوطنية المشتركة المنفتحة على العالم الخارجي والتحدث بلغة العصر التي تلقى هوى في الداخل التركي كما في العالم. حولنا في المشرق نشأت ثنائيات من هذا النوع لم تحقق نجاحاً ملموساً. كالثنائية بين الرئيس الراحل ياسر عرفات والرئيس محمود عباس، حين تولى الأخير لأول مرة منصب رئيس وزراء للسلطة. والاثنان جمعتهما حركة فتح ومسيرة طويلة مشتركة دامت نحو أربعة عقود.انتهى الأمر بافتراق بين عرفات وعباس الذي استقال من منصبه قبل نحو عامين من الرحيل المأساوي لعرفات.شيء من ذلك كان يسم العلاقة بين اسحق رابين وشيمون بيريز، الصديقان المتنافسان على رئاسة حزب العمل ورئاسة الحكومة الصهيونية. وقد التقيا على مباركة اتفاق أوسلو، لكن بيريز تنصل في أول فرصة من الاتفاق ومن مقتضيات صداقته السياسية الطويلة مع رابين ولا يوصف الآن كأمين على “تراث” رابين بل إن هذا الأمر لا يعنيه.هناك نماذج أخرى على هذه الصداقات، كالتي جمعت بين الرئيس الأمريكي السابق كلينتون ونائبه آل غور. وهي صداقة لم تصمد طويلاً. فلم يدعم كلينتون آل غور في طموحه لرئاسة البيت الأبيض ولم يثبت غور مثل هذه الجدارة وافترقا. الآن يساند آل غور المرشح الملون باراك أوباما كمرشح للحزب الديمقراطي، بينما يؤيد كلينتون زوجته السناتور هيلاري. قيمة مثل هذه الصداقات، هي في ما يمكنها أن تشعه من تغليب لمصالح وطنية أو وضع الصداقات في إطار هذه المصالح (نموذج رابين بيريز خاص ولا تنطبق عليه هذه القاعدة). في حالة روسيا، فإن التقاسم مفيد حتى الآن في تأمين الاستقرار ومحاربة الفساد، ومنح آمال لتوطيد التجربة الديمقراطية، وتفادي الصراع على السلطة، وإعادة الهيبة للدور الروسي في العالم، وإعادة الاكتفاء والطمأنينة قبل ذلك لملايين الروس.وإلى ذلك فإن كسر شخصنة الحكم وعبادة الفرد والاستعداد لبذل تضحيات ذاتية، هو أمر من الأهمية بمكان. وهو ما تتيحه هذه التجربة، أما الأهم من ذلك كله فهو أن يكون للتجربة مردود على الناس وعلى التعددية، ثم على تطوير النظام السياسي من داخله، بما يتعدى فرص شخص أو اثنين، أحدهما يحتفظ بكاريزمية عالية، والآخر يشق طريق البدايات ولا أحد يعرف ماذا يخبىء المستقبل لهما.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات
السياسة عاهرة يا صديقي ..!
لا ضير