مدونة محمود الريماوي

« | »

من أجل إنقاذ التفاوض

من أجل إنقاذ التفاوض   محمود الريماوي* بخلاف مفاوضات واشنطن ومدريد وطابا، فإن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الدائرة منذ انفضاض محفل أنابوليس تفتقد للشروط والبيئة السياسية التي تمنح التفاوض الجدية المطلوبة، ناهيك عن أن تكون اشتباكاً سياسياً أو سلاحاً من أسلحة الصراع المفتوح.
قبل الشروع في هذه المفاوضات، كانت الإستراتيجية المتبعة لدى شارون ثم لخليفته أولمرت تقوم على استبدال التفاوض بإجراء اتصالات لا غير، فإذا تمت هذه الاتصالات، ونستذكر أنها كانت قليلة المرات منذ العام 2001 وطيلة ست سنوات، فإنها تتحول إلى محض مباحثات أمنية ترمي إلى ضمان أمن طرف واحد هو الاحتلال بجنوده وشرطته ومستوطنيه.
أمام الضغط الدولي واستنفاد الإدارة الأميركية لكل ذرائع تهميش القضية الفلسطينية وفي ظل المأزق الأميركي في العراق، ونتيجة جهود ودعوات عربية متلاحقة لتحريك المسار الفلسطيني، فقد وافقت حكومة اليمين الجديد في تل أبيب على بدء التفاوض وليس على استئنافه بطبيعة الحال من حيث توقف عام ألفين في طابا.
وقد حرصت حكومة أولمرت في الأثناء وفي مقاربتها لملف التفاوض على التذكير والتشديد على مطامعها التوسعية في القدس والحدود، وعلى رفض مبدأ عودة اللاجئين أو التفاوض بشأنه. وسبق لأولمرت ووزيرته ليفني، أن كررا عبر وسائل الإعلام مطالبتهما للجانب الفلسطيني بـ"التحلي بالواقعية "أي القبول بالأمر الواقع.
كما تمت المحافظة على وتيرة الاستيطان وخاصة في القدس الكبرى ومحيطها، وتواصلت عمليات التضييق والتنكيل باعتبارها "حقا مكتسباً" للاحتلال. وكانت الرسالة وما زالت أن للطرف الإسرائيلي أن يفعل على الدوام ما يشاء لإطباق سطوته بصرف النظر عن أية ظروف سياسية تتعلق بمفاوضات أو اتصالات أو زيارة مبعوثين دوليين أو سوى ذلك من تطورات. وهي الإستراتيجية التي وضعها شارون ويتقيد بها تلميذه النجيب أولمرت الذي يمتاز عن أستاذه "بابتسامة" عريضة وبلفتات "صداقة حميمة" من جانبه مع المسئولين العرب والفلسطينيين، لا يملك هؤلاء سوى التفاجؤ بها والحرج منها أمام الكاميرات.
الأمر الثالث الذي لا يقل أهمية عما سبقه، هو أن خطة أولمرت تقوم على تحويل ما يفترض أنه مفاوضات إلى مجرد اتصالات، بحيث تتم العودة إلى المربع الأول والسياسة القديمة ولكن تحت يافطة استئناف التفاوض في أجواء متكتمة قد تكون جدية، ويجري إنعاش التفاوض وتجديد الآمال حوله، بعقد لقاءات قمة ثنائية مع الرئيس عباس لدفع القاطرة المتوقفة.
تحدث مفاوضون منهم أحمد قريع وصائب عريقات عن مناقشات تجري حول المفاهيم.. حول مفهوم الدولة الفلسطينية ومفهوم السلام، وحول مقاربة "خريطة الطريق" وسبل تنفيذها، لكن المباحثات تتم بغير تدوين محاضر موقعة من الجانبين، كما تحدث عباس في القاهرة بعد انفضاض قمة دمشق. الجمهور لا يعرف متى تعقد جلسات التفاوض. التكتم قد يعني نظرياً الجدية، لكنه قد يرمي أيضاً لصرف النظر عما يجري خلف الأبواب المغلقة وإطفاء الاهتمام به، فإذا توقف التفاوض أو فشلت جولاته فشلاً ذريعاً، فإن ذلك لن يثير ضجة تذكر، ما دام قد تم تعويد العالم على عدم الاهتمام بما يجري. هذا مغزى ضرب ستار من الكتمان الشديد من الجانب الإسرائيلي على ما يدور.. فيما الإجراءات التوسعية والتنكيلية بما فيها القتل بدم بارد تتم بدأب وانتظام وفي وضح النهار.
أخفق الجانب الفلسطيني في تأمين رعاية طرف ثالث للمفاوضات حتى لو كان الطرف الأميركي. وتنصل الإسرائيليون من أي جدول زمني يحدد موعد انتهاء المفاوضات. ولم يتم استثمار التعهدات اللفظية الأميركية، بالتوصل إلى اتفاق في غضون العام الجاري. حتى هذا الأمر ترك.. للتفاوض حوله!. مع تأكيدات إسرائيلية معلنة بأنه لا ضمانة لاختتام التفاوض في بحر هذا العام.
تقوم القيادة الفلسطينية بإبلاغ أطراف إقليمية ودولية بما يجري وأيضا بطريقة متكتمة حتى لا يتسرب شيء من الأسرار لجهات غير مسئولة (يُخشى أن يكون الرأي العام من بينها!) بذلك نجحت السلطة في التقيد بمواضعات دبلوماسية تقليدية ولكن في ظروف غير تقليدية، كعدم قيام دولة بعد كي تتقيد بما تتقيد به الدول القائمة والمستقلة.
يحرم الجانب الفلسطيني نفسه من استدراج وسائل ضغط تعينه على مواجهة التغّول الإسرائيلي. يتم تحييد الرأي العام العربي والإسلامي والدولي عما يجري وتتم المراهنة فقط على وعود الدول الشقيقة والصديقة و"التزاماتها". حتى البرلمانات لا تتم مخاطبتها. والشعب نفسه باذل التضحيات وجمل المحامل لا يقف على شيء مما يجري، بعدما تم إبلاغه أن الجهاد المدني وكل تحرك شعبي وكل تواصل بين القيادة والناس، لا ضرورة له باعتباره لا يقدم ولا يؤخر شيئاً مقارنة بإجراء المزيد من الاتصالات مع مسئولي الدول الشقيقة واستقبال موفدي الدول الصديقة.
عزلة التفاوض عن بيئة سياسية داخلية متجاوبة وضاغطة على الطرف الآخر وعزلة الطاقم التفاوضي عن بقية القوى السياسية والاجتماعية والفصل بين التفاوض وبين خطة سياسية متفق عليها يكون التفاوض جزءا منها يجعل هذه العملية بمثابة تمرينات على الحوار والاتصال وتبادل وجهات النظر، وينزع عنها كل قيمة سياسية في ظل النهج الجذري الذي يتبعه الاحتلال في إضعاف مناعة وتماسك الطرف الآخر وسد أبواب الأمل أمامه والتخيير بين احتلال شديد القسوة وآخر أقل قسوة تتخلله لفتات تمنح الناس أحياناً الحق في حياة عضوية كما هو الحال مع سكان قدماء في أميركا واستراليا وكندا.
ليس مطلوباً الانتحار ولا الانزلاق في ردود فعل يائسة وعصبية. فالأمر أبسط من ذلك إذ يقتضي خوض كفاح أو بذل جهد سياسي ومدني ومعنوي وأخلاقي متعدد الحلقات بالوسائل المتاحة والطاقات الممكنة يكون التفاوض أو وقف التفاوض جزءا منه، لا أن يتم اختزال تعقيدات العملية السياسية والكفاحية كلها، بالتفاوض حتى مع اليقين بعبثيته في محطة من محطاته، وفي ظرف ما من ظروف الصيرورة الوطنية كما الحال حالياً.
إطلاق التصريحات المتفائلة والمنشرحة والعزوف عن تقديم مطالبات محددة وآنية من العالم والتكتم على ما يجري من ألاعيب الطرف الآخر.. والتكرار النمطي بأن لا خيار إلا خيار التفاوض، هذه وصفة نموذجية لـ"تمويت" القضية وإطفاء ما بقي من اهتمام إزاءها. علماً بأن أي تفاوض يقتضي أحياناً وقفه والمجاهرة بالأسباب لخدمة التفاوض "نفسه" كي يكتسب جدية ما زالت مفقودة وكيما يعرف العالم حقيقة ما يجري ويدفع لاستئناف التفاوض في ظروف أفضل.
من المذهل حقا أن تتواصل العملية وكأنها قدر واضطرار نهائي، مع ما يعنيه ذلك من تسليم بافتقاد كل ورقة أو أداة أخرى ولو لمرحلة منظورة قصيرة. بذلك يجلب المفاوض الفلسطيني الضغط "على حاله" ويمنح الطرف الآخر سبباً جديداً للاستقواء والتعنت. يتحدث مسئولون بينهم أحمد قريع بأن الاستنكاف عن التفاوض "يؤدي لتحويل الضغط باتجاهنا بدل أن يكون باتجاه الإسرائيليين". وهذه قراءة غريبة، فالضغط قائم على الفلسطينيين قبل وخلال المفاوضات عبر سلبية الرباعية الدولية وليست هناك من ضغوط تستحق هذه التسمية على الإطلاق باتجاه الجانب الإسرائيلي ولو كانت قائمة لأثمرت ولو بالنزر اليسير في مجرى التفاوض أو في السلوك على الأرض وحيال الشعب المحاصر.
خلافاً لذلك، فإن الوقف المؤقت والمعلل للتفاوض، من شأنه إحداث صدمة سياسية وفتح أعين العالم على ما يجري، واستدراج ضغط جدي للتحرك إلى الأمام. كان وما زال يفترض أن تعين الخبرات التفاوضية والسياسية أصحابها بحملهم على اشتقاق خطوات وتدابير لإنقاذ التفاوض من عبثيته بتوفير بيئة سياسية مواتية لتحقيق الأهداف. أما العزل الإمبيريقي (المختبري) للتفاوض عن كل ظروف سياسية مرافقة، فلا يؤدي، وقد أدى، إلى مزيد من استقواء القوي واستهتاره المتمادي بالطرف الآخر، ورفض التوقف عن سلب أرض الدولة العتيدة وعن التنكيل الوحشي بشعبها وتحويل التفاوض إلى ثرثرة يدعي أصحابها الإسرائيليون الرصانة، وهو ما اعتاد العالم على متابعة وقائعه المتكررة دون تدخل، وباعتبار أن حل كل المشكلات منوط بالتفاوض الثنائي الجاري بين الجانبين والذي تصدر عنه تصريحات لا ينقطع التفاؤل عن فحواها ونبرتها وممن؟ من الجانب الفلسطيني.
كفى هزلاً، فالوقت من دم والمزيد من الأرض يسلب كل يوم من تحت أقدام الرازحين تحت الاحتلال بمن فيهم المفاوضون الفلسطينيون. وبعضهم قد أدمن التفاوض كما يبدو لدرجة أنسته ما يدور حوله وتحت أقدامه.
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"








 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba