« |
»
14 نيسان, 2008
عبادة المال
عبادة المال محمود الريماوي* يتمنى المرء لو تقوم جهة بحثية بدراسة ظاهرة التعلق المتزايد بالمال في مجتمعنا. الظاهرة تتخطى حدودنا ولعلها عالمية ، لكن بما أنه لا يمكننا تفحصها في كل مكان من العالم وبما أن حقل اهتمام الدارسين ينبغي ان يتركز على محيطهم وببيئتهم أولاً ، فمن المفيد تقصي جوانب الظاهرة عندنا .يزعم كاتب هذا المقال ان الظاهرة تجمع غالية الناس في المدن أساسا، وتوحد بينهم وتخترق كل الفوارق بينهم .وهي لدى الرجال أكثر منها لدى النساء، فنسبة كبيرة منهن لا مصادر دخل لهن كي يعملن على الاستزادة منها وتنميتها.لم يعد الأمر يقتصر على طلب الرزق او حتى الرفاه ، بل بات المال غاية بحد ذاته . في ما مضى كانت هناك حدود واقعية او نسبية للطموح .لم يعد هناك الآن من حدود لطموح كسب المال.في أزمان غابرة كانت تلصق صفات الشره والجشع بالساعين الى المزيد من الأموال، حتى لو ضاقت أعمارهم وأعمار بنيهم عن إنفاقها .في زماننا فإن الجدارة والذكاء والألمعية هي الصفات التي تمنح لجامع الأموال الطائلة ..حتى لو كان من يطلق هذه الصفات يجهل كل شيء عن الممدوح. أما "المستور" فيتم تفادي الاختلاط به والتشكك في جدارته والتطير منه .الرغبة بالإقامة في أكثر من مكان ،والسفر الدائم والتمتع بخدمات فندقية وسياحية تغذي هذا الطموح . حمى الاستهلاك والاقتناء، لإطفاء القلق سبب آخر .غير أن البعض يسعى سعياً محموماً لكنز ما لا يحصى من أموال، حتى لو بقي لابثاً في مكانه لا يبرحه .هناك قيمة متعاظمة للمال في عيون الناس بصرف النظر عن حاجاتهم الفعلية راهناً ومستقبلاً. وبصرف النظر عما ينفقونه ، كثيرا ما يتناقص الإنفاق كلما اتسع رزقه.ينطوي الناس في سريرة كل منهم على تطلعات مالية بغير حدود.ويبدون تكتماً شديداُ يجعلهم يعزفون عن الخوض في هذه المسألة ..وبما يفوق تحفظهم على بقية الخصوصيات الشخصية والعائلية .الخلافات بين الناس وداخل الكثير من البيوت والعائلات تتم لأسباب مالية في الغالب ..وكانت من قبل تنشب لأسباب أخرى. الصداقات ولنقل العلاقات تنشأ وفق مصالح مالية سواء كانت حقيقية أو مأمولة .يبدأ المرء بالسعي لسد حاجياته ثم يأخذه التيار فإذا بحاجاته بلا نهاية .ليست مسألة رغبة بالمال، بل عبادة له تجعل العيون زائغة والسيقان ترتجف والقلوب تضطرب وقرون الاستشعار تنتصب. وقد وجد الناس فيها ما يجمعهم ويوحدهم ،رغم الفروق الظاهرة والكامنة بينهم. وهم يبتعدون عن بعضهم بعضاً في أيامنا ، لسبب قد يبدو غريباً وكاريكاتيرياً .. لكنه حقيقي ،إذ يسود اعتقاد باطني مكين بأن الانشغال بالآخرين :أصدقاء وزملاء وجيران وأقارب ومعارف، يعيق السعي ويشتت الذهن عن جني أموال طائلة بطريقة ما ..بتدبير ما .لا يتم تناول هذه الظاهرة حتى في الآداب والفنون. يتم الصمت عنها ، ربما كي لا يكشف البعض عن دواخله .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات