« |
»
03 نيسان, 2008
انشطار العالم العربي الى معسكرين
انشطار العالم العربي إلى معسكرين محمود الريماوي* علاوة على التحديات الخارجية المتفاقمة ، فإن الوضع العربي ( العلاقات البينية) مرشح لمزيد من التأزم في أعقاب القمة العربية الأخيرة. الأجواء التي اكتنفت التحضيرات، والتي واكبت توافد الوافدين وغياب الغائبين، تدلل على أن "النظام العربي " يشهد أزمة لا سبيل للتغطية عليها أو إنكارها. ليست هذه الأزمة بجديدة فقد لاحت نذرها قبل سنوات قليلة خلت، وتتعلقبرؤى استراتيجية حول العلاقات مع إيران والولايات المتحدة ، وحول مفاهيم النفوذ والمصالح لهذه الدولة أو تلك، لدى دول وأطراف عربية أخرى .أوجه الخلاف هذه لا علاقة مباشرة لها بقمة دمشق الأخيرة ولا بالقمة السابقة في الرياض ،ولا بقرارات القمم الأخرى. كل ما في الأمر أن اللقاء الأخير أظهر ما هو قائم بالفعل ولم ينتجه. الخشية أن تتفاقم الخلافات كما كان عليه الأمر، في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بين "معسكرين عربيين "وبتغطية دولية آنذاك في فترة الحرب الباردة.هناك بؤر ساخنة "تصلح" لاستقبال تداعيات الخلاف الناشىء في قلب النظام العربي بما يزيدها سخونة ، وهذه البؤر كما هو معلوم هي العراق ولبنان وفلسطين. والمفارقة أن بلدا مثل العراق يتعرض لاحتلال أميركي ولتدخلات إيرانية ويتعرض لبنان لتهديدات واختراقات "إسرائيلية" ( لأجوائه) كما تخضع الأراضي الفلسطينية لاحتلال أو حصار "إسرائيلي". مؤدى ذلك أنه بدلاً من مواجهة التحديات الخارجية بنجاعة في هذه البلدان، بدعم من سائر مكونات النظام العربي وبما يصون الوحدة الوطنية في البلدان الثلاث، ويعزز طموح شعوبها للاستقلال والاستقرار، فإن انعكاسات الانشقاق في المنظومة العربية سوف تكون سلبية على هذه الدول وشعوبها .وذلك نتيجة النزوع نحو استقطاب أطراف داخلية فيها نحو هذا المحور العربي أو ذاك. وهو ما بدأ من قبل وسوف يتواصل للأسف، في أجواء الإنقسام التي ازدادت انكشافاً حتى لو لم ترافقها حملات إعلامية ظاهرة ، كما كان يحدث قبل نحو نصف قرن بين معسكرين عربيين . من الواجب الجهر بذلك والتحذير منه، فالانقسام الأفقي داخل المنظومة العربية حتى لو لم يكن بين كتلتين تامتين ، يتعلق في جانب كبير منه بالأزمات والتحديات الجسيمة، التي تشهدها بلدان المشرق الثلاث وسبل معالجتها والتأثير فيها. هذا الوضع المقلق هو ما يسمح مثلاً للطرف الإسرائيلي المحتل ، تصوير ما يجري في الأراضي المحتلة على أنه صراع بين معسكر معتدلين يضم الاحتلال نفسه ! وبين متطرفين تمثلهم حماس.وهو ما كان يصعب تسويقه من قبل ،حين كانت هناك حكومة وحدة وطنية قائمة تضم حماس وفتح معاً ،قبل أن تجري أحداث حزيران الماضي ،وما واكبها وتلاها من استقطابات عربية ،مع هذا الطرف أو ذاك.هذا مثال لانعكاس الانشقاق العربي على الوضع الفلسطيني وحده. أما الأزمة اللبنانية المديدة، فقد باتت حكايتها معلومة بجوانبها المتعددة وبالتدخلات المتشعبة فيها وتعقيداتها، حتى أصبحت التهديدات الاسرائيلية ضد هذا البلد تبدو بكل أسف كمجرد تفصيل ، وذلك في ظل طغيان الأزمة السياسية والدستورية، والمخاوف المشروعة من توترات أمنية وتنازع أهلي.فيما المبادرة العربية التي سبق لوزراء الخارجية العرب أن أقروها بالإجماع ووافق عليها الفرقاء المحليون ، فتبدو أشبه بطيف يمكن ملاحظته ورؤيته، لكن لا يمكن القبض عليه والإمساك به ..ذلك أن الانقسام العربي الذي يجد ترجمة محلية له في مواقف الفرقاء ، قد فعل فعله وعلى النحو الذي يراه الجميع .في العراق يبدو الوضع أكثر تشويشاً وذلك بسبب الفوضى الأمنية والسيولة السياسية، واختلاط هويات الفرقاء والفاعلين ،وكذلك وللأسف أيضاً لاختلاط صور المقاومة ببعض مظاهر استهداف المدنيين والاحتراب الطائفي.وإذا كان هناك من تدخل خارجي ظاهر علاوة بالطبع على الاحتلال الأميركي ، فيتمثل بالنفوذ الإيراني وثمة انقسام عربي لا تخطئه العين، حول امتدادات الجمهورية الإسلامية واستهدافاتها في منطقتنا .في ضوء ما تقدم يتبين أن الانشقاق في المنظومة العربية ،سوف تكون له مفاعيله السلبية في مواطن الأزمات والتحديات الكبيرة. فضلا عن آثاره السلبية المباشرة على العلاقات العربية البينية، وعلى آلية العمل داخل جامعة الدول العربية ،ناهيك عن وزن الكتلة العربية على المسرح الإقليمي والدولي. لقد سعت دولة مثل روسيا لحل خلافات عربية عربية خلال عام مضى، سواء بما تعلق بالأزمة اللبنانية أو الوضع الفلسطيني. فهل نتوقع في مستقبل الأيام مزيداً من الجهود والوساطات الخارجية ، للتجسير بين دول وأطراف عربية من طرف تركيا مثلاً أو سواها من الدول والهيئات ؟! .لن يكون ذلك مستبعداً إذا ما استمر الحال على ما هو عليه. وقد يستدعي بعضنا مثل هذه الوساطات أو يتمناه، كي لا تتفاقم الأمور وخشية من الأسوأ، وبعدما تعطلت لغة الحوار بين الأشقاء وشركاء الأمس القريب ، وبعد العودة ولكن بمسميات جديدة إلى منطق دول كبيرة وأخرى "صغيرة " فيحق للفئة الأولى ما لا يحق للثانية ، وهو ما دفع الجميع ثمنه في أوقات سابقة ويفترض أننا تجاوزناه ، ولنا في الاتحاد الأوروبي عبرة حيث تشاطر دولة مثل لكسمبورغ عضوية الاتحاد القاري وامتيازاته وحقوقه ، مع دولة أخرى مثل ألمانيا أو فرنسا.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات