« |
»
28 آذار, 2008
تجربة أمام منعطف
تجربة أمام منعطفمحمود الريماوي* الصراع لن يتوقف بين العلمانيين المتشددين في تركيا، وبين حزب العدالة والتنمية الذي يتمتع بالأغلبية في البرلمان ، ويحتل موقع رئاسة الجمهورية والحكومة . رفع دعوى قضائية من المدعي تطالب بحظر الحزب ومنع أعضائه من ممارسة النشاط السياسي ، تعني الدعوة لتنحية رجب طيب أردوغان عن رئاسة الحكومة وعبدالله غل عن رئاسة الجهورية . لقد سبق للسلطات حل كل من حزب الرفاه وحزب الفضيلة كل منهما ذو جذور إسلامية ، لكن الحزبين لم يتمتعا بما يتمتع به حزب العدالة من نفوذ شعبي وتزكية لا سابق لها تبدت في الانتخابات المبكرة التي جرت في الثاني والعشرين من تموز الماضي وكرست هذا الحزب باعتباره يحتل المركز الأول بغير منافس. جرت الانتخابات بهدف تقليص فرصة صعود ممثل للحزب إلى رئاسة الجمهورية بالانتخاب عبر البرلمان. الذي حدث أن حزب العدالة حاز من المقاعد ضعف عدد مقاعد حزبي المعارضة :حزب الحركة القومية وحزب الشعب الجمهوري( 243 مقعداً للعدالة مقابل 125 للحزبين ).بل إن عبداله غل فاز في انتخابات الرئاسة دون منافس له.حزب يحظى بمثل هذا النفوذ بين الجمهور وتتم الدعوة إلى حله ..فذلك ما لا يمكن تفسيره سوى بانكشاف نزعة انقلابية.عمد رموز الحزب ومنهم أردوغان لتعبئة الجمهور ضد هذه الخطوة. وقد تكون التعبئة غير مفيدة في هذا الظرف. فالتزكية الشعبية قائمة عبر صناديق الاقتراع أي بالطرق الدستورية وليس هناك من حاجة للجوء المباشر إلى الشارع . وهو ما استشعره قادة الحزب الذين توجهوا نحو القنوات البرلمانية لمحاولة وضع قانون يحظر حل أحزاب سياسية مرخصة، وخاضت الانتخابات، حتى لو بدا حزب العدالة بذلك في موقف دفاعي.فالدفاع بالوسائل الدستورية أفضل من هجوم ينطلق من الشارع. يذكر هنا أن الدستور يمنح رئيس الجمهورية حق النظر في القوانين وتعديلها وفق آلية دستورية محددة .السلطة القضائية في تركيا تتمتع بوزن كبير، والقضاء مستقل.. نسبياً . ذلك أنه ينظر إلى المحكمة الدستورية على أنها من معاقل العلمانية ولو اقتصر الأمر على ذلك لكان مفهوما باعتبار أن النظام علماني. غير أن الأمر يتعدى ذلك الى النفوذ الذي تتمتع به المؤسسة العسكرية في تسمية أعضاء هذه المحكمة .ونفوذ الجيش يمتد لامتلاك مؤسسات تجارية وصناعية وحتى مؤسسات إعلامية .في عهد الرئيس السابق نجدت سيزار كان هناك تناغم كبير بين رئاسة الجمهورية ومجلس الأمن القومي الذي يشكل ممثلو الجيش أغلبيته.وكان يتم تسمية أعضاء الحكمة الدستورية وكذلك رؤساء الجامعات وإداراتها وهيئاتها التدريسية ، بالتوافق بين الرئيس وقيادات الجيش.بموجب الدعوى القضائية لا يراد فقط سلب صلاحيات أساسية للرئيس ، بل سلبه منصبه أي تنحيته وليس أقل من ذلك. ثم الانطلاق لحرمان أعضاء الحزب ومنهم رئيس الحكومة أيضا من ممارسة النشاط السياسي لخمس سنوات ، فتتم انتخابات جديدة وفق هذا السيناريو بعد أربع سنوات دون مشاركة حزب العدالة .الحيثيات التي تستند اليها دعوى المدعي العام أن الحزب يسعى لتغيير النظام العلماني وإقامة دولة إسلامية في بلاد الأناضول .وهو اتهام قد يصلح عنوانا لملتقي بحثي، لا موضوعا لتوجيه دعوى قضائية .فقد سبق لغل أن أعلن فور توليه منصبه تمسكه بالنظام العلماني في بلاده وهو ما لا تقول به ولم تقل به من قبل أية مجموعة إسلامية في ديار الأرض . وحتى لا يظل هذا التعهد لفظيا أوضح غل أنه ينحاز للعلمانية "على الطريقة البريطانية لا بالأسلوب الفرنسي" .التحدي الحقيقي الذي يقف أمام أذرع المؤسسة العلمانية المتشددة ، أن المجتمع بدأ يزاول نمط حياة أقرب الى قناعاته . وهو بالمناسبة نمط متنوع لا أحادي ويعكس التعددية الثقافية الفعلية،وليس على غرار غالبية المجتمعات الإسلامية. ما تخشاه المؤسسة العلمانية المتزمتة "على الطريقة الفرنسية " أن يستمر انتشار هذا التوجه،فيمتلك الناس حريتهم في اختيار أزيائهم وطرق عيشهم ويصبحون أكثر تجانساً مع ذواتهم.الدعوى القضائية تبرهن أن الصراع ما زال مستمراً .فلم يتم التسليم بنتائج الانتخابات من طرف القوى المتنفذة ،وبمفاعيل تلك النتائج على مستوى تراتب السلطات وصلاحياتها .من الطبيعي في مجتمع يتمتع بنظام ديمقراطي، أن تنشأ منازعات تعكس حراك الحياة السياسية، غير أن الأمر في الحالة التركية يتعدى التنافس الحزبي مثلا، أو صراع نقابات مع حكومة، إلى تدخل مؤسسة غير مدنية في الحياة السياسية والدستورية وعلى نحو انقلابي مبطن، ينذر بانفلات الوضع بحيث يتم النكوص عن العملية الديمقراطية الى محاولة فرض أمر واقع.نعلم جميعا أن سعي أنقرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تجعلها ملزمة بتكريس النهج الديمقراطي، وطي صفحة الانقلابات العسكرية، ولكن ماذا عن تأثير أل "إسلام فوبيا" المتفشية في الغرب منذ الحادي عشر من أيلول وصعود أجنحة اليمين . ألا يخشى أن يستثمر العسكر الأتراك هذه الموجة المتصاعدة ، للتخويف من نزعات أصولية مزعومة لدى حزب العدالة ؟ هذا التساؤل يستحق التوقف عنده ، دون إغفال الأثر الذي تتركه رسائل بن لادن، وبالذات أثر رسالته الأخيرة في إثارة المزيد من التوجسات إزاء "الخطر الإسلامي" . *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات