« |
»
13 آذار, 2008
فشل انتاج زعامات جديدة
فشل إنتاج زعامات عراقية جديدة محمود الريماوي* بين أخبار العراق المثيرة أن السيد مقتدى الصدر قد وجه رسالة أفاد فيها أنه قد اعتزل الناس وأنه في سبيله للاستزادة من العلم في قم بعدما فشل في إنهاء الاحتلال وخروج بعض قادة تنظيمه على طاعته وانصياعهم لأهواء دينوية.الخبر مثير ، فقد ظل اسم الصدر يتردد في الأعوام الأربعة الأخيرة باعتباره من القيادات الشابة الجديدة ، وباحتسابه من الزعامات الطائفية التي تتميز عما عداها بالتشديد على إنهاء الاحتلال ، والسعي للحفاظ على عروبة العراق والنقطة الأخيرة لم يرد ذكرها في رسالته التي نشرتها مواقع الكترونية قبل أيام .والحال أن السيد مقتدي تقدم إلى الساحة السياسية بغير مقدمات تذكر من سابق خبرة أو حضور سياسي واجتماعي. وكان يمكن غض النظر عن ذلك لو أنه اثبت قدرته على التعاطي مع التحديات التي تواجه المجتمع العراقي .وواقع الأمر انه لم يتمكن ابتداء من طرح تياره كتيار وطني جامع وعابر للطوائف.خلافا لذلك فقد بدا مجرد تنويع على مجموعات وحتى ميليشيات طائفية أخرى.وهو ما يفسر الحملة عليه من الأوساط الحاكمة .حيث بدا ينازع هذه الأوساط على النفوذ بالأرضية ذاتها وهي التحشيد الطائفي. وفد نسب إلى بعض القيادات في تنظيمه الإقرار بمشاركة التنظيم في أعمال العنف الطائفي التي تستهدف في العادة مدنيين أبرياء. وهذا هو ديدن بقية المجموعات الطائفية ابتداء من القاعدة مروراً بجيش المهدي وانتهاء بميليشيات قريبة من وزارة الداخلية .لقد ظلت علاقته مع حكومة المالكي خاضعة للمد والجزر..للاقتراب والابتعاد ،بما يعكس التكوين الأيديولوجي لتياره الذي لا يحسم في أي اتجاه.فقد أراد الجمع بين توجهات وطنية جامعة ظلت في واقع الحال لفظية ، وما المواجهات مع الجيش الأميركي سوى جزء من سعي الأطراف الحكومية النافذة إلى الحد من الميليشيات الفرعية ، لتمكين ميليشيات الأمر الواقع من الانفراد والسيطرة .ضبابية الرؤية والخطاب السياسي ثم النهج التجريبي الذي اتبعه جعلت تنظيم السيد مقتدى الصدر يعوم على بحر من التناقضات ، فيما نشأت علاقات ملتبسة بينه وبين سائر القوى السياسية الأخرى سواء في الحكم أو في المعارضة، وهو ما أسهم في انشقاقات عن قيادته وإذا صحت الأنباء عن اعتزاله وانصرافه للعلم وإقامته خارج العراق، فالاستخلاص الذي تنطوي عليه هذه الواقعة هي أن العهد الجديد لم ينجح بفرز قيادات سياسية إلا على نطاق ضيق .والسيد مقتدى الذي حملته التطورات ،لأن يكون أحد الرموز شرع من جانبه في نعي تجربته . وقد أسهمت عوامل عدة في إفقار "الساحة " السياحية ووضعت سدودا وحواجز أمام إنتاج قيادات جديدة . وفي مقدم هذه العوامل ،تأجج العنف الأهلي واختلاط المقاومة بالعنف الطائفي ، وقطع الطريق على العمل السياسي المدني بتهديد رموزه فضلا عن محاصرة أنشطته وحتى وجوده ، إضافة لتهديد فاعلين اجتماعيين آخرين كالأكاديميين والإعلاميين والفنانين. من المفارقات أن تنظيم وجيش السيد متقي الصدر، قد أسهم وبصرف النظر عن النوايا في وصول الأمور إلى ما وصلت إليه.وفي النتيجة فقد وقع الصدر "ضحية" هذا الواقع المشوه. فآثر الانسحاب. وبدلاً من القيام بنقد ذاتي إضافة إلى نقد تجارب وممارسات الآخرين ، لم يجد السيد الصدر ما يعلل به به فشل تجربته القيادية سوى عدم طاعة وامتثال البعض به، وليس فشل هذه التجربة في معالجة المشكلات ، ولكأن العراقيين يمكن أن ينشغلوا بمآلات هذه التجربة تحديداً ،بدلاً من القلق على مصير البلاد والعباد.ومع ذلك مع الملاحظات التي تقدم ذكرها، فلسوف يحسب للسيد متقي أنه قد انضم إلى قافلة المنسحبين من العمل السياسي الميداني ومعظمهم اختار اللجوء إلى خارج الوطن وكما كان عليه الحال قبل سقوط النظام السابق، حين كانت قوى المعارضة والتيارات المستقلة تجد ملاذا لها هنا وهناك. وفي حالته هو فقد آثر الانسحاب ولم يندفع لحرب تصفية حسابات داخلية مثلاً، أو التشبث بموقعه وامتيازاته المعنوية أيا كان الثمن المترتب على ذلك.وهو ما دأبت عليه قيادات وزعامات من قوى الأمر الواقع، على امتداد السنوات الأربع الماضية.وفي النتيجة فقد هيمنت على الساحة ومقادير الناس والوطن ،وبالطريقة التي يخبرها العراقيون،وحالت دون التفتح السياسي والثقافي، ولم توفر الكرامة والأمن والخبز، ولا منحت الناس أملا برؤية نهاية للاحتلال وقوى المرتزقة الأجانب على اختلاف صنوفهم ومسمياتهم .وفد ضاقت القوى المتنفذة حتى بمقتدى الصدر ،رغم أنه شريك أيديولوجي لها ومن المنبت الفكري نفسه.كما ضاق هو من جانبه بالمخالفين وبالمكونات الاجتماعية والسياسية الأخرى ، وشن تنظيمه عليها بمعرفته أو دونها حرباً ضروساً، فلم يتبق في الحصيلة ما يمكن له أن يفعله سوى الاعتزال.والفشل هنا هو فشل في الخطاب الفئوي وافتقاد الرؤية الوطنية الجامعة ،والتقاعس عن حماية العراقيين من الاقتتال والاستقطاب الطائفيين ، والاندفاع لتشكيل ميليشيا بدلا من بناء تنظيم سياسي مدني، وهي مآخذ تلحق العديد من القوى والتيارات "الفاعلة" أيا كان منبتها الطائفي مع مسؤولية أكبر تقع على الأطراف الحاكمة والمتسيدة ،التي أشاعت مناخ الاحتراب والفرز والتهجير، بدلاً من الانصراف للوفاء بالمهمات الوطنية الكبرى .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات