مدونة محمود الريماوي

« | »

خطأ طبي (قصة قصيرة)

خطـأ طبي محمود الريماوي*

 
في ضحي يوم صيفي من شهر تموز ولم تكن الحرارة قد التهبت بعد، قصد الشاعر بصحبة ابنه الطالب الجامعي عيادة أمراض القلب القريبة من بيته. مشي وهو المشاء المحترف نحو خمسمائة متر، بنشاط طبيعي وحيوية معتادة، وبثرثرة متقطعة مع الابن الذي كان ساهماً طيلة المسافة مفكراً بصمت في شؤون تخصه، وقد قصد الشاعر العيادة لإرضاء عائلته وتهدئتها، ولمجاملة طبيبه ومسايرته في مواعيده وطقوسه، ولتزجية وقت فراغ في قلب منطقة الشميساني، التي يروقه التجوال في شوارعها الداخلية وفي صمت ظلال بناياتها وأشجارها. وقد تسني له إنجاز هذا الواجب، بما في ذلك انتظار دوره لنحو ثلث ساعة، وكما يجب أن تنجز المواعيد الثقيلة بغير تأخير مقيت، وقد خرج من هناك وكما توقع بنتائج غير سيئة.
قلما عقد الشاعر موعداً مع مرض او استشفاء في حياته. لم يقتطع وقتاً لهذا الغرض ولم يعره أدنى اهتمام، مع أن الوقت كان كله علي الدوام له. بدا له ذلك لو فعله مملاً وغير لائق، ولن ينجو من لعنة ربات الشعر)  وسواهن) لو وهنت نفسه وانشغل بمرضٍ ما ومتعلقاته. المرض ببساطة لا يلائمه لا يناسبه، ولا يجد وقتاً يخصصه له، كما لا تناسب البعض مزاولة السباحة أو تدخين الأرجيلة أو تناول البيض المسلوق أو الاستيقاظ في وقت متأخر. مزاجه وهواجسه في مكان آخر. حتي أن أخبار الأصدقاء المرضي تزعجه وتضجره، إذ لا يليق بهم أن ينتكسوا بتلك السهولة، أن يسمحوا للمرض بمداهمتهم ومشاغلتهم .. ينبغي لهم أن يصدوه ويزجروه، ويطردوه شر طردة ما أن يلوح لهم، إذا كانوا معنيين بملاقاة الحياة والامتلاء بها . بل إن احترامه لأصدقائه هؤلاء كان يهتز، ما أن يبلغه وقوع أحدهم طريح الفراش، أو انزواؤه في مستشفي، فيخشي أن تنتقل أن تتسلل إليه .. بسببهم، بسبب تبادلية الصداقة عدوى الاستكانة. أما الموتي (من غير الضحايا والشهداء) فيثيرون غضبه وحيرته وكذلك شعوره بالحرج، ويتثاقل عن أداء واجب العزاء، كي لا يألف الانكسار أمام هذا العدو، فيؤدي الواجب إذا أداه بتعجل وضيق.
لقد كان منهمكاً بكليته في ترقيص الأحياء والأشباح، بموسيقي كلمات تختلط بأنفاسه ووجيب قلبه ووقع أقدامه .لم يكن على ذلك في شرخ الشباب فقط، بل في ما بعده.بعدما تخطي الخمسين بخمس سنين، حتي جدد عزيمته شحنها بطاقة جديدة وبطريقة تخصه، وبدا أشد فتوة ونضارة، غير عابيء بعلامات الزمن علي وجهه الذي غزته تجاعيد أولى، وعلى شعر رأسه .. الشعر المرسل الطويل المتشح بشيب غامر، والأصح ببقية من لون بني داكن، وقد رأي بتحايل خاص في هذه العلامات مسحة جمالية افتقدها من قبل. أما انعتاقه الدائم من الوظيفة دون أن يبدو معوزاً، فأسبغ عليه رخاء نفسياً، حسده عليه عارفوه بمن فيهم المتقاعدون.
لقد ذهب بقميص زاهٍ وهفهاف بنصف كم يصل إلي الكوع، وبجيب كبيرة تضم قلماً بحبر سائل أسود، وبضع أوراق بيضاء متوسطة الحجم ومطوية، لزوم اقتناص مطالع قصائد وبعلبة سجائر، وبهاتف خلوي تدرب أخيراً وبعد تردد علي استخدامه. لم تكن النتائج الطبية سيئة. ابنه غيم الذي صاحبه هو من أنبأه  بذلك. لم يستغرب الشاعر النتيجة سوى أقل استغراب، فقد كان يجب أن تكون أفضل مما خرجت به، ولن يتورط في مناقشة الطبيب. لكنه لم يتكدر، ولم يتزعزع عزمه على العودة إلي البيت، لاحتساء القهوة والموسيقي ببطء، مع المرور السريع علي صحف اليوم في الانترنت، وهو واجب لم يفلح في الإفلات منه، وللتفكير قليلاً في مشاوير اليوم التي يسرح بها، والتي يأخذه قلبه إليها.
وما أن خطا خطوتين واثقتين في الهواء الطلق خارج العيادة، مصحوباً بابنه الشاب المتثاقل عن أداء مهمة الاصطحاب، وقد ازدادت نفسه نفس الشاعر اخضراراً، مع تذوقه لخضرة أشجار يانعة أمام ناظريه، ومع مرور حسناء مروراً غير متعجل في سيارتها من أمامه، حتى وضع يده فجأة علي الجيب في الجهة اليسرى من القميص، وصدرت عنه : هه. شهقة مسموعة بـ هاء متكررة.  بتساؤل مُر وتوجس شديد، كمن يتذكر شيئا فائق الأهمية، أو يطلق تحذيراً من طارىء محتمل، ولم يفلح وقد سقط أرضاً بقامته الطويلة وبنطلونه حسن الكي في نطق كلمة أخر . الابن خرج من شروده الطويل، وصرخ بالعاملين في العيادة أن يسارعوا لنقل أبيه إلي الداخل. وقد لبي عدد منهم النداء القوي مستغربين، ومتذمرين من عودة مريضهم الذي فارقهم قبل لحظات. الطبيب الأربعيني الشاب والمتبرم من كثرة عدد المرضي في العيادة الحكومية، الطبيب نفسه فحصه بجدية ولهفة، موضحاً أن النتيجة هذه المرة سيئة جداً  وكان يمكن لعابر سبيل لا شأن له بالطب، كالحسناء التي مرت قبل قليل، أن يخلص إلى هذه النتيجة بمجرد المعاينة الظاهرية بالعين المجردة. المرة السابقة التي أومأ إليها الطبيب، هي التي جري فيها تشخيص حالة الشاعر، قبل عشر دقائق فقط وتطمينه علي وضعه مع تزويده بجملة نصائح ذهبية، عن تجنب التوتر والسهر والتوقف عن التدخين. وهو ما يسع الحسناء نفسها، أو شقيقها المتبطل النصح به.
الابن ارتبك واضطرب أكثر مما حزن. شعر بصورة ما بذنب ثقيل ومسؤولية جسيمة، وبدا مستعداً للدفاع عن نفسه أمام أي اتهام ، وعلي الأغلب وكما اعتقد بسبب سرحانه، الذي لم ينقطع طيلة اصطحابه لأبيه. ولم يدرك أن السرحان موروث عن الأب المتأمل، والذي لم يتسن له أن يستيقظ بعدئذ، فقد فعل ما بدا أنه خطأ طبي ما فعل.
لمثل هذه الأخطاء لم يثق الشاعر لا بالأمراض ولا الأطباء. فقد أمضي حياته في قطيعة مع ذلك العالم. وقع الخطأ لأول وآخر مرة مع الشاعر، والذي لم يدر بعدئذ ما الذي حدث رغم أنه مات حياً، فالشهقة التي صدرت عنه لم تنبىء عن فزع وذعر، ولم تزد في حدتها عن تلك التي تصدر عن شخص، انسكبت رشقة ماء علي أذنه، أو أصابه حجر طائش قذف به طفل على كتفه. وقد انبري كثيرون إلي رثائه ما أن تناهي اليهم النبأ، وبعد أن أهال حفارو قبره أكوام التراب المغبر ودون رحمة علي جسده الممشوق المسجي، ذات ظهيرة حارقة في مقبرة الرصيفة  البائسة.
ولحسن الحظ حظه وكذلك حظ النادبين أن المراثي لم تبلغ مسامع الشاعر، ولن تقع عليها عيناه الصقريتان، فقد كف عن الاستيقاظ وعن قراءة الصحف، فأسوأ ما يمكن وقوعه بالنسبة له، أن يجنح أحدهم إلي دعابة ثقيلة أو إلي اللؤم المفرط ويبلغه بموته مثلاً. سوف يورثه ذلك، يورث الشاعر، مشاعر التطير والنقمة الشديدة، وهو ما لا يطيقه وما لن يصدقه حتى وهو في ترابه، وما لن يغفر لأحد مثل هذه الفعلة بحقه. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"

 
 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba