مدونة محمود الريماوي

« | »

القاهرة ليلاً ونهاراً

 

           القاهرة ليلاً ونهارا ً             

               محمود الريماوي*

هناك رأيان سائدان في أوساط مثقفين مصرين كثر ، حول مستقبل بلدهم. رأي مفاده أن مصر تحقق نموا اقتصاديا متزايدا نحو 5 بالمئة سنويا، وتتمتع باستقرار في احتياطها من العملات الأجنبية( ثلاثون مليار دولار وبما يضاهي الديون المترتبة عليها)ويدخل مئات الآلاف سوق العمل سنوياً. ورأي آخر يفيد أن الاحتقان الاجتماعي في تزايد مستمر، وأن طرق الإصلاح السياسي شبه مسدودة، وأن النمو هو نمو للفقر مع الارتفاع المتواتر في أكلاف المعيشة .

يعكس الرأيان منظورين سياسيين متناقضين قبل أي اعتبار آخر.والمفارقة أن كلا الرأيين على ما بينهما من تعارض شديد يعكس قدرا من الحقيقة، دون أن تكون الخلاصات صائبة أو دقيقة بالضرورة. ولا يرمي هذا المقال لمحاولة الإجابة حول مسار هذا البلد ومآلاته ، بل عرض بعض انطباعات لعلها دالة. فهناك مظاهر لا تحصى للفقر تراه العين المجردة ولا حاجة للبحث عنه، وهناك الغلاء الذي يجعل القوة الشرائية للجنيه في تناقص مطرد، فلم يعد الجنيه جنيهاً كما يتندر مصريون ،فهو بالكاد يكفي ثمناً لكوب شاي ( كوشري ) في مقهى شعبي، غير أن هذه المظاهر ومثلها العشرات من مظاهر مشابهة، لا تحجب الحيوية المستمرة  للشارع المصري التي يلحظها زائر القاهرة . فالسائقون ما زالوا يقودون سيارة التاكسي "نصر" بكفاءة وهمة عاليتين هي أضعاف كفاءة السيارة نفسها (بعض السيارات تعبأ بالغاز لا بالبنزين وهي ظاهرة نادرة في العالم العربي) .والجسور العلوية للمركبات يشوه  بعضها منظر المدينة لكنها حلت جزء من مشكلة النقل ، بينما يوفر استخدام المترو تحت الأرض وعبر مياه النيل حل جزء آخر من المشكلة.وانتشار الهاتف المحمول وضع حدا للمعضلة التاريخية للاتصالات الهاتفية، وكبار السن والأشد فقراً هم وحدهم من لا يستخدمونه.وإذا اضطرهؤلاء لاستخدامه فهناك ما لا يحصى من محلات وأكشاك، توفر هذه الخدمة للعابرين بثلاثة ارباع الجنيه .

وبينما تنشر أحياء سكنية جديدة هي بمثابة مدن صغيرة ، مثل مدينة الشيخ زايد والمدينة المقامة على جبل المقطم ، فإن هذه المظاهر يقابلها انتشار السكن في أحزمة المقابر، وهي ظاهرة لا مثيل لها واستمرارها دون حل يلقي بظلاله على نجاعة أية عملية تنموية .وكذلك النجاح المحدود في حل مشكلة النظافة رغم أن شركة فرنسية عهد إليها مواجهة هذا المهمة الاستثمارية، وليس معلوماً لماذا لا تنهض بهذه المهمة مؤسسة محلية، ومن المفارقات أن يلحظ الزائر وجود عامل نظافة في مناطق رئيسية يستخدم المقشة التقليدية ،بينما وجود الحاويات شبه مفقود.

والمقصود بما تقدم أن القاهرة مدينة لا تزخر فقط بالتناقضات المتجاورة حيث تتجاور سيارة المانية حديثة ،مع سيدة تفترش الرصيف والى جانبها قفص حمام تعرض محتوياته للبيع ، بل تتسم باختلاط أنماط ومستويات المعيشة .الفقراء يزحفون على أحياء ومظاهر الثراء ويختلطون طيلة ساعات اليوم جنباً إلى جنب ووجها  لوجه ،مع الشرائح الوسطى ومع الأغنياء أيضا .يسعى الفقراء بكفاح ودأب وعناد بطولي لاستلال قوت يومهم من بيئات الآخرين.ومن المظاهر التي ربما كانت مستجدة انتشار ظاهرة بيع الخبز على بسطات في الشوارع بصورة ملحوظة، بعد أن ارتفعت أسعاره وبات سلعة مميزة تستحق عرضها، وعناء الاتجار بها ومن طرف نساء بالذات، وفي أحياء ليست فقيرة مثل حي الدقي القريب من وسط العاصمة .وفي معظم الأحوال فمظاهر الأزمة المعيشية تبدو واضحة على قسمات النساء البائعات أو المتسوقات وجموع العاملات، ومع ذلك فإن هناك كثرة من محجبات يمخرن الشوارع بصحبة الزوج أو الخطيب،وتفيض ملامحهن بالسعادة فالتدين لا يغير عادات المصريين في الإقبال على الحياة والاحتفاء بها ،مهما تضاءلت الإمكانيات فالمشي مجرد المشي ..حلو . أما الرجال فيعرف غالبيهم كيف ينعشون مزاجهم ويبددون ولو مؤقتا آثار التعب اليومي، إما باللجوء إلى دور العبادة أو التردد على المقاهي المكتظة، أو السهر بما يتيسر من إمكانيات ومن أدوات، ومن المظاهر الجميلة استمرارعادة قراءة الصحف في المقاهي، حيث يأتي زبائن خاصة المكتهلين منهم على جريدة بكاملها، في جلسة ليست بالقصيرة ..دون تذمر يذكر من النادلين.

في الأسبوع الأخير من يناير الماضي بدا كثيرون متضايقين من موجة برد بأكثر من ضيقهم بصعوبات الحياة اليومية .فالبرودة غير المعهودة تمس بمألوف حياتهم ونمط حياتهم خاصة في ساعات الليل .وبينما ينقسم الشارع بين وطنيين( نسبة للحزب الوطني الحاكم ) وناصريين وساداتيين وإسلاميين ومعارضين، فقد وحدتهم في الأسبوعين الماضيين انتصارات فريقهم في بطولة الأمم الإفريقية .كرة القدم تستهوي مختلف الفئات بصرف النظر عن الأعمار علاوة على أنها "صناعة وطنية" .الحاجة للبحث عن نجاح أو انتصار قومي تستحث الملايين  ابتداء من الأطفال على المتابعة( القومي رديف الوطني في الدول العربية الأخرى، وأحيانا يستخدم تعبير قومي للدلالة على ما هو حكومي أو رسمي كالصحف الرئيسية الثلاث القومية المملوكة لمجلس الشورى)  كما عقب أكثر من معلق في الصحف.وفي نهاية الأمر فإن من أفضل ما يستوقف الزائر هو توطد الرابطة الوطنية والحس الجماعي لدى المصريين تجاه بلدهم وأحواله.حقا يجد كل واحد منهم ما يشكو منه مر الشكوى وبما يلزم من سخرية ومبالغات، ومن منظوره وحسب أولوياته ، لكن أحداً منهم لا يتحدث عن مشكلته الفردية ( رغم أنها في الغالب ليست فردية محضة )، بل عن مصر وليس أقل من ذلك .

*رئيس تحرير صحيفة "السجل"

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba