09 شباط, 2008
ظاهرة ثقافية أم مولد؟
محمود الريماوي*
وصف مثقف مصري معرض القاهرة السنوي للكتاب بأنه "مُولِد للكتب". وتشهد احتفالات الموالد التي تقام لاستذكار "الأولياء الصالحين" إقبالا جماهيريا يضم مئات من مختلف الأعمار مصحوباً بالضوضاء مع عروض تجارية، لاجتذاب الزائرين ونشاطات ترفيهية أخرى مصاحبة كحفلات الغناء والموسيقى الشعبية وبعضها على مستوى رفيع. الوصف السابق وإن بدا قاسياً وعلى شيء من المبالغة المتعمدة، إلا أن واقع الدورة الأربعين للمعرض التي اختتمت الاثنين الماضي، الرابع من فبراير الجاري لا يبتعد كثيراً عن فحوى هذا الوصف.
لقد نشأت فكرة المعرض في العالم العربي وبريادة مصرية لتيسير الإقبال العام على القراءة وحيازة الكتب.غير أن الأمر لم يلبث أن تحول الى محض مناسبة استثمارية للناشرين ، وذلك مع التخلي عن تحديد الأسعار وتثبيتها على الغلاف الأخير للكتاب . مع هذا التعويم باتت الحسومات على الكتب مجرد دعابة إن لم تكن فرية .بل إن رئيس الهيئة العامة للكتاب ناصر الأنصاري، رأى أن الهيئة وهي الجهة الرسمية المنظمة للمعرض لا تملك حق التدخل في اسعار الكتب المعروضة . أدى ذلك لارتفاع الأسعار باستثناء تلك التي تصدرها وزارات وهيئات الثقافة العربية وأفضلها تلك التي تصدر في مصر وسوريا .
وفي أجواء السوق والازدحام يكاد يتعذر الحصول على دليل في أي جناح من الاجنحة عن الكتب المعروضة وعدد عناوينها حسب التقديرات الرسمية بلغ ستة ملايين بعضها لدور نشر أجنبية ،وذلك مع مشاركة 12 دولة بثلاثة وأربعين جناحاً من خارج العالم العربي.مقابل 178 جناحاً عربياً و552 جناحاً مصرياً .
ولم تغب الاعتبارات السياسية والأمنية عن المعرض سواء بما لا يحصى من كتب معروضة تتناول هذين الشأنين ، أو بالافتتاح الرسمي من طرف الرئيس حسني مبارك كما هو دأبه كل عام الذي زار أجنحة وزارتي الدفاع والداخلية وأجنحة الصحف القومية : الأهرام والأخبار والجمهورية وجناحي الهيئة العامة ومكتبة الأسرة ( تشرف السيدة سوزان مبارك فخرياً على السلسلة الأخيرة التي توفر منشورات جيدة بأسعار زهيدة). أو بالتفتيش الدقيق للسيارات الداخلة مع الاستعانة بكلب بوليسي ، او باستغلال جماعة الإخوان المسلمين لتنظيم حشود استعراضية ومسيرات في أرض المعارض( وهي في واقع الحال أرض معارض مقامة في مدينة نصر) .على أن الندوات السياسية أخذت تغيب شيئاً فشيئاً ، وكان من رموزها في الأعوام السابقة الكاتب محمد حسنين هيكل الذي ينشر أسبوعياً في صحيفة "المصري اليوم" المستقلة رسائل ـ مقالات موجهة للرئاسة ،فيما ذكر الرئيس في مقابلة مع رئيس تحرير صحيفة "الأسبوع" مصطفى بكري :"إننا لسنا بحاجة لأصوات من الماضي كي تدلنا على طريق المستقبل "
من العلامات الفارقة لهذا المعرض اتخاذه من الراحلة سهير القلماوي شخصية معرض هذا العام . وهي مع الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق ، صاحبة فكرة معرض القاهرة الدولي. وقد ترأست دورته الأولى في العام 1967 بوصفه أفضل الردود الثقافية على الهزيمة المدوية في ذلك العام .والقلماوي أول طالبة جامعية مصرية في العام 1929 وأول أستاذة جامعية وأول رئيسة للهيئة العامة للكتاب .وهي ناقدة ومترجمة . واختيارها جاء يحمل بين عناوين أخرى تكريماً للمرأة، دون أن يحول ذلك بين ظهور منقبات بملابس كاملة السواد ترددن بصحبة ذويهن من رجال على معرض هذا العام، الذي لم يخل جناح من أجنحة الدول العربية، بما فيها مصر الدولة المضيفة والمنظمة، من عشرات الأجنحة لدور نشر إسلامية وسلفية . وفي الندوة التكريمية الأولى عنها قال الناقد جابر عصفور: "مع عبد المحسن بدر وعبدالمنعم تليمة، كنت من تلامذتها الأقرب إليها .وكنت المدلل بينهم. والتدليل عندها يعني الصرامة والشدة" .وكشف عصفور عن أنها، حين تلقت أطروحة تليمة، خاطبت زميله عبد المحسن بدر بالقول: "أنت علمته الماركسية، فالرسالة اصطبغت باللون الأحمر، ولكن لا بأس، فالعلم اختلاف". ولدى مناقشة الرسالة دافعت القلماوي بشدة عنه، وهو ما جعلني ـ قال عصفورـ أتعلم درسا أساسياً وهو أن لا قيمة للعلم والفكر إلا بالاختلاف .
من العلامات الأخرى اختيار دولة الإمارات كأول ضيف شرف عربي في المعرض. وقد أقيمت نشاطات ثقافية وفنية للدولة الضيف داخل المعرض وخارجه برعاية رسمية وبحضور وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي محمد الشعالي، في دار الأوبرا وقصر المانسترلي ومجمع الفنون ومتحف محمود مختار. وكرمت الدولة الضيف 11 مصرياً ساهموا في العمل الثقافي في الإمارات .
ومن العلامات أيضا تيسير الفرص أمام المجموعات الفنية وادباء الأقاليم والجماعات المسرحية والأصوات الجديدة في ملتقيات وأنشطة على مدار أيام المعرض (23 ينايرإلى 4 فبراير). وكانت أصوات الفنانين والمنتدين تصدح دون توقف تقريباً إلى جوار المقهى التقافي الذي يجتذب الضيوف العرب والأدباء المصريين المكتهلين والإعلاميين وأعداد أقل من عامة الجمهور. ولم تُثَر إلا بصورة محدودة مسألة مصادرة كتب، ربما بسبب فيضان الكتب المعروضة، ولأن هناك مؤلفات معروضة لمؤلفين تردد أن كتبهم صودرت، فيما أكد مثقفون آخرون أن كميات إضافية لبعض الكتب هي التي صودرت بالفعل لعلوية صبح والياس خوري وميلان كونديرا وآخرين، لكن كتب هؤلاء تباع في الوقت نفسه خارج المعرض في مكتبات القاهرة.
وقد نفى الأنصاري رئيس هيئة الكتاب بشدة أن تكون هناك عمليات مصادرة، واعتبر أن نشر هذه الأخبار يرمي للترويج لتلك الكتب، فيما قال في حديث صحفي آخر أن هناك تنظيماً لدخول الكتب حسب اللوائح والقوانين في الموانىء والمطارات، كما هو معمول به في بقية دول العالم حسب قوله.
ورغم بروز ظواهر مقلقة في تدخل بعض الأطراف مثل الأزهر في شؤون نشر الكتب التي تتناول مسائل دينية، إلا أن حرية التعبير في مصر تظل هي الأعلى إلى جانب لبنان والمغرب بين بقية الدول العربية ،كما أن المجتمع المصري ما زال أكثر تقبلا لحرية التعبير من سواه، وذلك بعدما تحولت مجتمعاتنا إلى رقيب، وغدت مصدراً لسلطة الرقابة على حرية التفكير والتعبير.
يرى مثقفون مصريون منهم القاص سعيد الكفراوي أن معرض الكتاب بات مجرد تكرار لمعارض سابقة، ومع ذلك تظل الحاجة اليه قائمة على الرغم من أية ملاحظات لما يوفره من فرصة لإثارة فضول الجمهور نحو الكتاب .
وواقع الأمر أن معرض هذا العام ووجه بمنافسة قوية من بطولة الأمم الإفريقية في غانا التي أبلى الفريق المصري فيها بلاء حسناً، علاوة على موجة البرد الشديد التي قيل إن القاهرة لم تشهد مثيلا لها منذ عقود. ويبقى أن المعرض يشبه إلى حد بعيد القاهرة في ازدحامها واختلاطها و في إبداعها وضوضائها، وفي التنازع بين الفوضى الضاربة والمحاولات المستميتة لتنظيم شؤون حياتها، وفي الطموح إلى اكتساب صفة العالمية.
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"