05 شباط, 2008
الفرجة على الانتخابات الأميركية!
محمود الريماوي*
تمثل الحملات الدعائية بما تشتمل عليه من مواقف ورؤى،جزء كبيراً من انتخابات الرئاسة الأميركية. وهو ما قد يشد اهتمام المراقب في الخارج أو يحد من هذا الاهتمام.السياسة الخارجية لم تحتل بعد حيزاً ملحوظاً من هذه الحملة، لكن وقتاً طويلا ًلن يمر قبل أن يثار موضوع العراق مثلاً في الحملة لما له من بُعد داخلي .وبدرجة أقل الملف النووي الإيراني. أما ما تم التواضع على تسميته منذ أمد بعيد بملف الشرق الأوسط، فالواضح أن الاهتمام به سوف يتراجع من جهة، وسوف يزداد التصاق النخب الحاكمة والمرشحة للانتخابات بمواقف ومصالح المحتلين "الإسرائيليين" من جهة ثانية. ليس ذلك بالطبع أمراً جديداً، غير أن دوام هذا الأمر يستحق أن يثير المزيد من القلق لا الألفة معه !.
ما سبق يدل على ما يشبه انعدام التأثير العربي وعلى مدى عقود ،على الحياة الداخلية المفتوحة في الولايات المتحدة .سواء تعلق الأمر بتأثير الدول والحكومات أم الجامعة العربية أم مئات المؤسسات والهيئات الأهلية. وبدرجة أقل تأثير منظمات الأميركيين من أصل عربي وهذه تستحق تناولاً منفردا لها من الأكثر خبرة بشؤونها .
التأثير غير المرئي والغائب ، لا يعود فقط الى الفشل المزمن ، بمخاطبة الرأي العام الأميركي في بلاده ، ولكنه يتصل أيضا بالرسائل الباهتة التي تصدر عن العالم العربي، نحو العالم عموماً والأميركيين خصوصاً . ففي وقت يتحدث فيه مرشحون أميركيون مثل هيلاري كلينتون عن الحزب الديمقراطي، حول إرث تحرري يستلهمه بعض المرشحين مثل إرث التحرر والعدالة والمساواة الذي يمثله مارتن لوثر كنج ، فالخطاب الرسمي العربي وأحياناً الأهلي قلما يؤكد على هذه القيم في معرض الحديث عن الحقوق العربية : قيم الحرية ومناهضة العنصرية التي تمثلها الدولة الصهيونية. فخطاب السلام العربي ،مفعم بروح المناشدات وحتى الاستعطاف، وكان مسؤول عربي تحدث مرة عن الاستجداء كخيار لا مناص منه ولا بديل عنه !. وبدلاً من الحديث عن حقوق غير قابلة للانتقاص أو التنازع حولها مع المعتدين ، فإنه يجري الحديث باستمرار وبطريقة نمطية وآلية عن الرغبة بالتفاوض والاستعداد التام له .وبذلك يطغى الحديث عن الوسائل والأجراءات ، التي لا تجتذب السامع إليها ، مقارنة بالحديث عن الحقوق والأهداف المشروعة .
أما الاختلاف مع السياسة الخارجية الأميركية في منطقتنا ، فيم باستمرار التمويه عليه والقفز عنه، وهو ما دأبت عليه القمم العربية على سبيل المثال . فكيف والحالة هذه يمكن مخاطبة الشارع الأميركي بلغة واضحة يفهمها ويتبين منها أخطاء وانحياز وإدارته، وأخذ حديث أصحابها بالجدية المتوخاة ؟.
الراهن أن المسؤولين العرب سوف يتفادون أي "تدخل" في مجرى الانتخابات الأميركية . وذلك وفق مقولة تفيد أن إبداء أي مرشح، ولو نزراً يسيراً من التفهم والإنصاف لحقوق العرب سوف يعيق فرص تقدمه، ويضعف حظوظه في الفوز.ومؤدى ذلك أنه من الأفضل أن يزايد على غيره من المرشحين في الانحياز لتل أبيب، كيما يشق طريقه نحو البيت الأبيض ، أما بعد وصوله فيمكن التداول معه بشأن اتخاذ الإدارة لمواقف نزيهة !.وهو تكتيك أثبث عقمه على مدى عقود. مقابل نجاح الطرف الآخر الصهيوني، في مراقبة سكنات وحركات المرشحين، والوقوف بالمرصاد ضد خروج أي مرشح عن "النص". ناهيك عن استثمار وسائل الإعلام المملوكة لصهاينة وتوظيف تمويل الحملات الانتخابية لغايات سياسية مكشوفة. وهي وسائل ما لم يفكر العرب بعد باستخدامها،عبر منظمات ومؤسسات الأميركيين من أصل عربي.
في هذا السياق قد يصدم العرب قريباً بمواقف يعبر عنها باراك أوباما ،الأميركي من أصل كيني والذي ينافس هيلاري على ترشيح الحزب الديمقراطي له لسباق الرئاسة،ذلك بإثبات ولائه للدولة العبرية وتبخيسه للحقوق العربية والفلسطينية .والصدمة المنتظرة تعود الى العزوف عن مخاطبته والركون إلى أن ميله التحرري الداخلي سوف يترجم تلقائيا لنصرة حقوق المستضعفين في كل مكان .غير أنه وفق النظرة السائدة في المجتمع الأميركي فإن الدولة العبرية هي المستضعفة ،حتى أن صحفياً عربياً مقيماً في الولايات المتحدة وصف ارتباط الأميركيين بالدولة الصهيونية ،بأنه أشبه بارتباط العرب بالقضية الفلسطينية .مما يبين مدى الغياب العربي عن الساحة الأميركية ،ووسائل التأثير فيها والتي تتعدى المستوى السياسي للإدارة والكونغرس .
في المحصلة فإن الحملات الانتخابية ناهيك عن الخيارات السياسية للمرشحين توفر فرصة عظيمة للصهاينة لتعبئة الأميركيين خلف الاحتلال، وإظهار أن مصلحة كل أميركي إنما تكمن في التماهي مع مصالح الاحتلال وتأييدها بصورة مسبقة ومطلقة ، وهو يؤدي لمزيد من التطابق بين واشنطن وتل أبيب ،بما يغذي النزعة العدوانية والتوسعية لهذه الأخيرة .فلا يحصد العرب تبعاً لذلك إلا المزيد من الخيبة والإحباط وانخفاض سقف مطالبهم .وما تقدم هو ثمرة لسياسة تفتقد الى الدينامية والمبادأة ،وتقوم على وهم أنه يكفي الإعراب عن نوايا ومقاصد سلمية ومسالمة، كي يندفع العالم كله لتأييدنا والوقوف إلى جانبنا ونصرة حقوقنا .
وفي النهاية: أليس مثيراً للعجب أن يتدخل الآخرون كما هو مرتقب من مرشحي الانتخابات الأميركية في قضايانا المصيرية ، فيما نعتصم بموقف الصمت واللامبالاة والمراقبة الساكنة عن بُعد ؟ .
* رئيس تحرير صحيفة "السجل"