مدونة محمود الريماوي

« | »

شتاء الحنين

                          شتاء الحنين

                                  محمود الريماوي*                 

كانت الشتاءات في ما مضى من  بضعة عقود أشد برودة، ونهاراتها أشد إعتاماً. فلا شمس تبزغ في النهار إلا ما ندر. يهطل المطر مدراراً لأسبوع كامل بغير توقف، والعواصف تهب مزمجرة تأخذ في طريقها كل ما هو قابل للزحزحة والطيران من موضع إلى آخر، والرعد يأتي مثل القصف يزلزل ما هو ساكن ويستمر لساعات، وعلى من يصغي لهذه الأصوات من الأطفال أن يألفها و يهنأ بها، وإلا  فلسوف يستشعر الغربة في بيت العائلة ومع الجيران الأقربين. يعتصم الناس شتاء في بيوتهم ويهجرون مضطرين أعمالهم. ولم يكن الناس رغم ذلك يموتون جوعاً، فهم يعتمدون على جني أيديهم من محصول يجري تخزينه بتدبير من أم البنين وزلمة البيت، ومن أدركته الحاجة هب جيرانه لمد يد العون له، فهم على علم مسبق بما يحوزه الجار وما يعوزه، فلم تكن "البيوت أسرار" كما هي الآن .ومع ذلك كانت تلك الشتاءات ، أكثر ابتعاثاً للدفء النفسي في أوصال وحنايا الكبار والصغار.ذلك ما يستذكره كبار السن أمثال كاتب هذه الكلمات.وسائل التدفئة بدائية ( لم نكن نعرف في حينها أنها بدائية ..) فمن لديه حطب أكثر ومن كان موقده (كانونه ) أكبر أو يتوفر على اثنين منه، ولديه ما تيسر من بيض وحبات بطاطا وبلوط وبصل،  فهو في رغد من العيش حتى لو كان الدخان المنبعث من الحطب ومن سجائر الهيشي يملأ فضاء البيت، ولعل هذا الدخان الذي يتشارك الجميع في استنشاقه هو أحد عوامل الدفء! .

يستذكر كثيرون منا تلك الأيام، بحنين جارف يرتج معه القلب. ومع ذلك فثمة مفارقة ما : لا أحد يريد العودة إلى تلك الأيام والظروف، حتى لو كان قد فارقها منذ سنوات قليلة فقط .

مغزى ذلك أن الشقاء وقلة الحيلة وضيق ذات اليد، ليست هي أبدا معقد الحنين ولو كابر البعض منا وادعى بمثل بذلك. فليس من الفطنة حقاًُ استعادة ظروف العوز والشقاء، وتصويرها على أنها لا أبدع منها، وأنها أجمل أيام العمر،وبدلالة أن أحداً لا يمكنه ولا يرغب بالعيش وفق ذلك النمط القديم .

الراجح أن الحنين يتجه إلى ما نفتقده حالياً من البساطة حيث كان يسود التواصل العائلي، رغم مركزية وأحياناً قسوة الأب.وحيث الرضى والقناعة هما بمنزلة قيمة مستقرة في الضمائر والنفوس .ولئن كان يؤخذ على تلك القيمة اقترانها بالدعة وانطفاء الطموح والعزلة عن المدينة، فإن أيامنا هذه التي يتم فيها التكالب من الجميع تقريباً على عبادة المال، ليست بأفضل حالاً بل أسوأ بما لا يقاس.

يود المرء الإشارة إلى سبب آخر يبعث الحنين لتلك الأيام، هو: الاتصال بالطبيعة الذي نفتقده في زماننا.كان الناس من قبل يشهدون شروق الشمس وغروبها.ويمضون سحابة نهاراتهم في الحقول والخلاء .والطفل يتلمس التراب والطين وحتى الشوك بيديه الغضتين، لا كأطفال اليوم المعقمين الذي يكبرون أمام التلفزيون .الانفصال عن الطبيعة والإقامة داخل الجدران، يورثان الخلل وافتقاد التوازن ومعهما الملالة وانطفاء الروح .وهو ما يلمسه المرء ما أن يخرج من العاصمة عمان، إذ تنشرح أساريره على التو لمدى الرؤية الفسيح، ولتجليات الطبيعة حتى لو كانت فقيرة .

*رئيس تحرير صحيفة "السجل"

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba