مدونة محمود الريماوي

« | »

تقدم حثيث في الاتجاه الخاطىء

 

            تقدم حثيث في الاتجاه الخاطىء !

                               محمود الريماوي*

بينما عبر رئيس وزراء الاحتلال إيهود اولمرت عن تقديره لما عبر عنه الرئيس بوش من "فهم أساسي لمتطلبات السلام " فإن الأطراف العربية التي استقبلت الزائر الأميركي الكبير اطلقت إشادات دبلوماسية بهذ التحرك ،فيما تراجعت السلطة الفلسطينية في وسائل إعلامها عن وصف الزيارة بالتاريخية، مما ينبىء أن الجولة لم تحقق اختراقا في المهة الرئيسة المتعلقة بسير العملية التفاوضية الفلسطينية الإسرائيلية .

لقد عبر الجانب الفلسطيني على لسان رئيس لجنة المفاوضات عن رضاه لتفعيل لجنة ثلاثية تشارك فيها الولايات المتحدة الى جانب الاسرائيليين والفلسطينيين، غير أن هذه اللجنة وهي ليست جديدة لا تتمتع بتفويض سياسي، وهو ما ينسجم مع الطرح الأميركي المستند الى مقولة عدم التدخل في مجرى التفاوض. فاللجان المشتركة عنيت بالموضوع الأمني، وحتى هذا الموضوع فقد تم تكييفه وتأويله الى مراقبة النشاطات الفلسطينية حصراً دون الاسرائيلية ، وباعتبار اسرائيل تقوم" بواجبها في مكافحة الإرهاب" وليست قائمة بالاحتلال وتمارس أنشطة ذات صلة بإرهاب دولة محتلة .

الجانب الفلسطيني يرغب في توسيع عمل اللجنة ب"مراقبة" سير التفاوض، وهو أمر متعذر بعدما كرس الرئيس بوش في جولته مفهومه لعدم التدخل، وهو مفهوم كان يمكن القبول به لو أن الطرف الأميركي دعا الطرفين للالتزام بالمرجعية الدولية، والاتفاقيات السابقة المبرمة .غير أنه اخذ بالرأي الاسرائيلي القائم على أن ما يتوصل اليه الفريقان هو ما يلزمهما وليس أي شيء آخر .

على أن بوش تقدم بعدئذ خطوات حثيثة في الاتجاه الخاطىء. فقد تبرع في أثناء زيارته لتل ابيب باستباق نتائج التفاوض،  فقام عملياً بالتدخل حين دعا الى دعم دولي لتعويض اللاجئين الفلسطينيين .بذلك أقفل باب التفاوض مسبقا حول إعادة اللاجئين الى ديارهم، وحصر النتيجة بمنح تعويضات تتولى أمرها هيئة دولية. بهذا تم من طرف الرئيس بوش إعفاء الدولة العبرية من مسؤوليتها تجاه عدم تنفيذ القرارات الخاصة باللاجئين، وإحالة المسؤولية الى""المجتمع الدولي " لأداء التعويض ، وبصرف النظر عما إذا كان أصحاب الشأن من اللاجئين وممثليهم يرتضون بهذا الحل أم لا، ثم  تحميل المجموعة العربية وزر عدم التقدم على الطريق السلمي، مع إعفاء تل ابيب من واجبها بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في العام 1967 وإزالة الاستيطان الذي يمثل الوجه البشري ـ المدني للاحتلال .

 

 

ثم اشترط الزائر استعادة السلطة السيطرة على قطاع غزة" ليصبح أي اتفاق سلام قابلا للتطبيق" .ومعلوم أن حركة حماس قد نشطت و"ازدهرت" مع تجويف وتآكل المشروع السلمي، وقيام شارون واولمرت بتجريد حرب يومية ضد السلطة والمجتمع الفلسطيني وسط صمت أميركي "يرتقي" الى مستوى التواطؤ، وصولاً الى فوز الحركة في تلك الظروف بالانتخابات .تتجاهل واشنطن هذه الوقائع، وتغفل عن أن التقدم الفعلي على طريق التسوية هو ما يسحب الأرض من تحت أقدام حماس في الضفة والقطاع.علاوة على ما تنطوي عليه الدعوة لاستعادة غزة وبالعنف كما هو مفهوم ، من دفع نحو احتراب فلسطيني داخلي. وحتى مع القناعة بأن حماس هي من بادرت أولاً الى الاحتراب، غير أن تصويب الخطأ لا يتم بالاندفاع لارتكاب خطأ آخر .

ولم يكتف الزائر الأميركي بهذا فقد طالب العرب خصوصا دول الخليج ، ب"مد الأيدي الى اسرائيل"، ومؤدى ذلك تقديم مكافأة الى المحتلين نتيجة تشبثهم بالأراضي المحتلة طيلة أربعين عاماً، ورفض الانسحاب منها .والأسوأ منه صرف النظرعن مبادرة السلام العربية التي تقدمت بها في الاساس المملكة العربية السعودية. لكن على العرب بالمناسبة أن يلوموا أنفسهم،لعدم تثبيتهم للمبادرة على جدول الأعمال الإقليمية والدولية ، فقد سبق على سبيل المثال أن عقد وزراء خارجية مصر والأردن واسرائيل اجتماعين بشان المبادرة في القاهرة وتل ابيب،لحمل هذه الأخيرة على قبولها ،غير أن الأمر توقف بعدئذ ربما الى حين استجابة تل ابيب لنداءات الضمير والتقدم من تلقائها للموافقة على المبادرة والعمل بمقتضاها ..

وفي الاتجاه الخاطىء والملتوي نفسه، تطوع الرئيس بوش ودعا للاتفاق على "هوية الدولتين "

وهو مطلب غريب لا محل له في القرارات الدولية ولا في تجارب الاعتراف بين الدول .والمقصود بتحديد الهوية هنا هو حمل الطرف الفلسطيي على الموافقة على يهودية الدولة الإسرائيلية .وهو ما يمس حقوق المواطنة لنحو مليون وربع مليون فلسطيني (عرب 1948 )،وهؤلاء مسلمون ومسيحيون وليسوا بالطبع يهوداً .غير أنهم ابناء الأرض ولم يفوا اليها من وراء البحار كما هو حال المواطنين اليهود .

يراد بهذه الدعوة فتح الباب أمام  إعادة" هندسة ديمغرافية " تتيح تهجير هؤلاء عن وطنهم ، في عملية تبادل مع بعض مستوطني الضفة الغربية بعدما صمدوا فيه صموداً باسلاً ، وواجهوا بشجاعة عسف وعنصرية الدولة القائمة وخاصة خلال العقدين الذين تليا قيام الدولة الاسرائيلية .وسبق لتل ابيب ان تقدمت بهذا الطرح وقوبل برفض من شديد من قبل المكونات السياسية على اختلافها داخل "الخط الاخضر " كما من طرف السلطة في رام الله .

تطول القائمة في ما اتى به الرئيس من ..كشوفات ، لا تعدو ان تكون صياغة اميركية لرؤى أقصى اليمين الإسرائيلي.ومنها دعوته ل"إنهاء الاحتلال مع الأخذ في الاعتبار الوقائع الجديدة" ويقصد بها المدن الاستيطانية التي تضم اكثر من 400 الف مستوطن ، مقابل حملته على المستوطنات العشوائية التي تضم أقل من ثلاثة آلاف مستوطن . وفي ذلك درجة فصوى من التدخل في مجرى التفاوض وتثبيت نتائج مسبقة له، بما يجعل التفاوض قائما بين واشنطن وتل ابيب لا بين هذه الأخيرة والجانب الفلسطيني ! .

يبقى أن هذا الاستخفاف ليس جديداً ولن يكون الأخيرما دامت الاطراف الفلسطينية والعربية تسنكف عن اسلوب المواجهة السياسية ، أو على الأقل المصارحة الحازمة مع واشنطن وتستبدلها بأسلوب المناشدات دون سواه .

*رئيس تحرير صحيفة "السجل"

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba