مدونة محمود الريماوي

« | »

التعريب هو الحل

             التعريب هو الحل                محمود الريماوي*

تشكل المبادرة العربية من أجل لبنان ، أول وأوضح جهد "تدخلي "جماعي باتجاه هذا البلد المؤسس في الجامعة العربية .وهو ما يجعل المقارنة بينه وبين اتفاق الطائف في محلها .فقد أنهى ذلك الاتفاق الذي وقع في العم 1989 نحو خمسة عشر عاماً،من حرب مريرة أهلية وإقليمية عصفت بذلك البلد واستنزفت موارده البشرية والطبيعية. رعت آنذاك المملكة العربية السعودية هذا الاتفاق بالتعاون مع دول أخرى أبرزها مصر وسوريا وبدعم دولي . تم الاتفاق في حينه بمشاركة الفرقاء المعنيين من "أمراء الحرب " وهو ما لم يتيسر في صبغة الحل التي اجترحتها الجامعة العربية مؤخراً، ذلك لأن الحوار والتلاقي بين الزعامات اللبنانية بات متعذراً ،وصيغة الحل تلحظ ضمنياً هذا الاستعصاء ضمن معضلات أخرى .

دعت لاجتماع وزراء الخارجية كل من السعودية ومصر، فكان أن نجحت الدولتان في اجتذاب تأييد جماعي للخطة يشمل سوريا.وهي الخطة التي يمكن تلخيصها بانتخاب رئيس توافقي لا ينتسب لأحد الفريقين الرئيسين، ثم تشكيل حكومة جديدة لا يكون لأي فريق فيها قوة التعطيل، والتهيئة لوضع قانون انتخاب جديد يؤذن بإجراء انتخابات نيابية مبكرة. وذلك بما يجمع مطالب فريقي  8و14 آذار في سلة واحدة .وأكثر من ذلك فإن هذه الصيغة التوفيقية ، تقطع الطريق وتنزع الذرائع التي تنطوي عليها اتهامات متبادلة بين الطرفين، بالاستقواء بأطراف خارجية دولية وإقليمية. ف"المتدخل" هذه المرة هو المجموعة العربية،ونحو بلد جرى التسليم بهويته العربية من طرف مكوناته المتصارعة، وبما ينزع عن هذا "التدخل" صفة طرف خارجي.

لقد عجز طرفا الأكثرية والمعارضة عن انتاج تسوية داخلية للأزمة العاصفة المفتوحة، والتي تدخل في شباط فبراير المقبل عامها الثالث. فقد تم استخدام حنكة هائلة وما لا يحصى من مناورات سياسية لإدامة الأزمة، ولم يتم بذل النزر اليسير من تلك القدرات لتمكين هذا البلد من استعادة عافيته وتماسكه وضمان التعددية فيه ومرتكزات "العيش المشترك"، في ظل نظام ديمقراطي دستوري ومرن، يقوم بين ما يقوم عليه..على التوازن الطائفي.

في ضوء ذلك فإن عدم الانفتاح الجدي على الخطة وعدم التعاطي الإيجابي معها، سوف يدفع الى شحن الفراغ بعناصر توتر مقلقة .وللمرء أن يلاحظ أن شغور موقع رئاسة الدولة، يترافق مع الطعن بدستورية الحكومة القائمة، ومع تعطل عمل البرلمان، فإذا ما استمر الحال على ما هو عليه، فسوف يؤدي ذلك الى المزيد من تجويف المؤسسات الدستورية : الرئاسية والتنفيذية والتشريعية، وإلى حرمان اللبنانيين من ركائز دولة يستظلون بها تضم شتاتهم وتنظم اجتماعهم. ولا شك أن "معجزة" ما هي التي تجعل الحياة تمضي على طبيعتها هناك، مع شلل المؤسسات .

غير أن التحدي يكمن في ابتعاث هذه المؤسسات لا تغييبها. وأصحاب الحنكة أيا كانت مواقعهم والذين أوصلوا بلدهم إلى هذا المآل،عليهم البرهنة أن "قلوبهم" على بلدهم وشعبهم، لا أن تنحصر انشغالاتهم وأهدافهم في مغالبة الفريق الآخر والانتصار عليه،ولو تم ذلك على حساب كل شيء .

لقد كان لافتاً حجم التأييد الذي لقيته المبادرة وبالذات من أطراف تقف خارج الثنائية السياسية القائمة كما هو حال "منبر الوحدة الوطنية ـ القوة الثالثة" الذي يقوده رئيس الوزراء الأسبق الدكتور سليم الحص، حيث اعتبر المنبر في بيان أصدره الثلاثاء الماضي الثامن من الجاري "أن المبادرة عادلة وتؤمن حلاً لمرحلة انتقالية، وعلى الأطراف كافة للتجاوب معها دون التسبب بمشكلات في التطبيق. أننا لا نشاطر رأي الأكثرية التي يصر بعضها على الاستئثار بثلثي مقاعد مجلس الوزراء، ولا نشاطر رأي المعارضة التي يطالب بعضها بالثلث الضامن أو المعطل، فصيغة التسوية المقترحة تؤمن مخرجاً فورياً من أزمة الحكم التي نعانيها ".

في نهاية الأمر على عاتق اللبنانيين تقع مسؤولية التوصل إلى حل توافقي ووفاقي.غير أن التواضع يملي على أصحابه الاعتراف بالعجز حتى الآن،عن اجتراح هذا الاستحقاق الوطني وتحقيق هذه المهمة الإنقاذية. بما يملي تعريب الحل والأخذ بمشورة الأشقاء والاحتكام اليهم ، وهو ما تجسده المبادرة الجماعية التي لا تعالج حقاً تباينات جوهرية بين الفرقاء، لكنها تضع الأزمة على طريق الحل الناجز وتؤمن متطلبات مرحلة انتقالية،وذلك بإحياء المؤسسات الدستورية ومرجعية الدولة، وصد مخاطر النزاع الأهلي وتطويق الدعوات التقسيمية ما ظهر منها وما بطن.وخلاف ذلك ستكون الحصيلة هي سد كل الطرق أمام أية مبادرة سواء كانت داخلية أم عربية، وتعظيم الفراغ وتسليم البلد وأهله للمجهول، وذلك في ظرف حساس وشديد التعقيد ،من مظاهره التنازع المكشوف بين قوى خارجية عديدة، لبسط النفوذ على لبنان واستلاب إرادة شعبه.

في أوقات سابقة صدرت دعوات ومناشدات من أطراف لبنانية شتى، لتأمين مظلة عربية و"احتضان" عربي للبنان برعاية الحلول فيه وعدم التضحية بهذا البلد،وإنقاذه من التدخلات وصيانة عروبته وانتمائه القومي.. يُفترض الآن من أجل تحقيق بعض هذه الغايات، التجاوب مع مبادرة جماعية عربية لا سابق ولا بديل لها، لا أن تنغلق الأزمة الداخلية وتتصلب، فتتبدى ويا للمفارقة كأنما هي صراع بين ممثلي دول وكيانات متجاورة ،لا بين شركاء في وطن واحد.

* رئيس تحرير صحيفة "السجل"

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba