مدونة محمود الريماوي

« | »

بهجة الصفحات الأخيرة

                بهجة الصفحات الأخيرة

 

                        محمود الريماوي *

لا بد ان قراء كثيرين مثل كاتب هذه الكلمات تستهويهم قراءة الأخبار الخفيفة على الصفحات الأخيرة من الصحف. بل يؤثرون قراءتها على الأخبار "الجادة" في الصفحات الرئيسية. لا يتعلق الأمر بالهرب من رتابة الأخبار السياسية فقط ، بل يتصل بالرغبة في متابعة أخبار وأحداث يصنعها أناس عاديون ومجهولون في اربع أنحاء المعمورة ،وتكشف عن الوجه الانساني للبشر حيث يتجاور النبل مع الوحشية  والطرافة مع البلادة والغرابة مع ما هو مألوف. القارىء بذلك يبحث عن أخبار أناس يشبهونه، فتساوره الثقة بأن السياسيين ونجوم المال والفن والرياضة ليسوا هم وجدهم من يصنعون الأخبار. بل إن من هم أمثاله شركاء في صناعة الأحداث .

الى سنوات خلت قلما كان القارىء يقع على خبر طريف مصدره بلد عربي و"أبطاله" عرب، باستثناء الاخبار الواردة من مصر.وما زال هذا البلد يشكل مصدرا ثريا لمثل هذه الأخبار التي لا تنقطع. ومن دواعي الأسف  أن غالبية هذه الأخبار باتت في السنوات الاخيرة تتعلق بجرائم  تفوق الوصف، وتقع غالباً في المحروسة لأسباب تافهة مثل شجار على الوقوف في طابور، او خناقة على عدم تحضير المطلوب على العشاء  أو رغبة حدث بالحصول على مال من أمه او جدته. وتنتهي هذه المشكلات بجرائم تقشعر لها الأبدان .

 من يتابع قراءة أخبار الصفحات الاخيرة بدأب مثل ككاتب هذه السطور، يلاحظ أن الجرائم عموما وفي عموم البلدان باتت تحتل حيزاً واسعاً من  أخبار هذه الصفحات، ما ينغص على القارىء رغبته في الوقوع على أخبار خفيفة ومبهجة. لقد أصبح العنف صناعة وتقليداً ومزاجاًً لأفراد وجماعات كما للدول .وليس المجال هنا لتقصي أساب الجنوح المتزايد للجريمة في الدول المتقدمة والمتخلفة على السواء، مع أن هناك خشية بأن وكالات انباء تركز او على الأقل تبالغ في متابعة جرائم اجتماعية دون سواها، بما يجعلها ذات مسؤولية في جعل المتلقين على ألفة مع هذه الأجواء والتطبيع مع العنف .

يلاحظ كذلك أن النجوم في عالم الفن والرياضة والمال أخذت أخبارهم تزاحم أخبار الناس العاديين في الصفحات الأخيرة . فكم من خبر نشر مثلا خلال العام الماضي عن المغنية بريتيني سيبرز ونجمة المجتمع باريس هيلتون على تفاهة كل منهما ؟ .أخبار بلا حصر ولا عدد ، تجعل القراء العاديين يشعرون أن هذا العالم ليس لهم. لقد تم الاستيلاء على الحيز الضيق لأخبار الناس العاديين من طرف المحظوظين،  فبات الهامش يضيق أمام نشر أخبار الناس الذين يقبعون في الظل ، فيجد القراء أنفسهم امام أخبار الناس السوبر، بعدما هربوا من أخبار الزعماء السياسيين على الصفحات الأولى، أو إزاء أخبار أناس عاديين لكنهم ويا للأسف جنحوا للجريمة  ل"حل "مشكلات بسيطة في حياتهم .

وهكذا مع أن مجرى الحياة العريض ، يشقه ويملأه الناس العاديون المجهولون ممن لا يعرف أحد اسماءهم ، إلا أن الفرز والانتقاء يفعلان فعلهما، فيتم تناقل وتقديم أخبار عن النخب والنجوم، فلهؤلاء سطوة ونفوذ على وسائل ومصادر الأخبار .ولهذا فإن التحول طال حتى الأخبار الخفيفة، فلم تعد مصدر متعة أومجالا لسياحة الذهن في شؤون الناس البسطاء .

*رئيس تحرير صحيفة "السجل"

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba