10 كانون ثاني, 2008
باهتة ولا تعد بجديد..
محمود الريماوي*
ابتداء من الاربعاء التاسع من يناير الجاري بدأ رئيس الدولة العظمى زيارة دول في منطقتنا العربية. ومن المثير حقاً أن هذه الجولة التي تستغرق نحو أسبوع كما هو معلن عنه، تخلو حقاً من الإثارة رغم أنها تشمل منطقة ملتهبة، ورغم أن الزائر يمثل ويقود الدولة الأكبر في عالمنا.
ليست الزيارة بالطبع بغير وظيفة وهدف بالنسبة لصاحبها، ولبقية أركان إدارته ومراكز النفوذ قي بلده.لكنها بالنسبة للدول المضيفة باستثناء الدولة العبرية، لا تثير حماسة تذكر وإن كانت تتطلب جهوداً أمنية استثنائية لمواكبة الزائر.
تأتي الزيارة كما هو معلوم بعد تطورين . الأول انعقاد اجتماع انابولس الذي ضم أربعين دولة وعدداً من الهيئات الدولية .وبعد التقرير الذي نشرته وكالة الاستخبارات المركزية عن عدم وجود برنامج عسكري ـ نووي حاليا لدى إيران .الحدثان أظهرا عجز الإدارة وغياب إرادة جدية لديها لإحلال تسوية ذات معنى في منطقتنا . لقد تم الدفع نحو استئناف التفاوض على المسار الفلسطيني "الاسرائيلي " ولكن بعد التمويه على المرجعيات الدولية للتفاوض أو تحديد جدول زمني ملزم وآلية للمتابعة والتنفيذ .خلافاً لما كان عليه الحال عقب مؤتمر مدريد مثلاً .مع ايران هناك موجة من التحذيرات والتهديدات لا تتوقف، غير أن أحداً في العالم باستثناء الشركاء في تل أبيب وقلة من الحلفاء الأوروبيين، لا يحبذ التصعيد والتلويح بمواجهة. لا تسعى واشنطن للبحث عن حل سياسي ودبلوماسي مخافة أن تحقق طهران مكاسب معنوية، علماً بأن التهديد بالحرب وربما خوضها يمنح طهران مكاسب أكبر من هذا النوع ،حتى لو لحقت بها خسائر مادية مؤكدة.
وليس سراً أن هذا الملف يطغى على غيره في جعبة الزائر. وكأن دول المنطقة وبالذات الخليجية، لا تدرك مخاطر التسابق على إنتاج وامتلاك أسلحة الدمار الشامل. غير أن المشكلة تكمن في البيئة التي أنتجت هذا التسابق، ثم المعالجات غير الناجعة لهذا التطور الخطير. ففي دولة آسيوية قريبة من دول الخليج هي باكستان،فإن هناك مخاطر متزايدة في ظل الفوضى الأمنية والسياسية السائدة في ذلك البلد من أن تؤول منشآت وأسرار نووية لإحدى الجماعات المتناحرة.يبرز هذا المحذور بعدما سمحت الولايات المتحدة ومراكز دولية أخرى، للهند وجارتها وغريمتها باكستان بالتسابق النووي منذ عقود .
وقبل ذلك والأهم منه أن واشنطن وبتواطؤ أوروبي وبصمت صيني روسي، سمحت لتل أبيب بالانضمام خلسة للنادي النووي الدولي الذي يضم في الأساس الخمسة الكبار. ليس مطلوباً
حل كل المشكلات دفعة واحدة ولا السماح بنشوء تحديات جديدة، ولكن أن تكون هناك مقاربات متماثلة ومعايير متجانسة للتعامل مع المشكلات. هذا ما تتعفف عنه إدارة الجمهوريين في واشنطن، وهو ما يجعل منطقتنا حبلى بالمخاطر.ولن تؤدي زيارة بوش كما هو بادٍ وهي الأخيرة على الأغلب في ولايته، إلى الحد من هذه المخاطر. بل هناك خشية أن يستغل زيارته لإطلاق رسائل تهديد. وهو ما يتعاكس مع جهود خليجية تم بذلها على مدار الأشهر الأخيرة، لإشاعة أجواء من الحوار والثقة مع القيادة الإيرانية، وإن كانت هذه الأجواء لم تثمر الكثير بعد !.
على أن مناخ التحدي الذي ترعاه واشنطن، لم يؤد بدوره سوى إلى تغذية روح التحدي القائمة أصلاً لدى طهران .وهكذا تجد دول الخليج أنها تقف بين جار لا تثير سياسته الاطمئنان ، وبين حليف دولي يرعى تأجيج الأزمات بدل إطفائها. علاوة على جار آخر هو العراق الذي ما زال ينوء بانقساماته وانتهاك سيادته والتدخلات في شؤونه .
وقد لا يكون في جعبة الزائر وفي أفضل الأحوال سوى مقاربات جديدة لإدارة الأزمات، ومنها أزمة الاحتلال المستمر للأراضي الفلسطينية . ولا يجد ما يقوله عن الاستيطان مثلا عشية البدء بزيارته سوى الإعراب عن القلق مما يسميه الاستيطان "غير القانوني" . وهو مصطلح يستخدمه الاحتلال نفسه، لإسباغ صفة قانونية مزعومة على التجمعات الاستيطانية الكبرى . وحتى في هذا الجانب وبالقياس إلى هذا المنطق الملتوي فإن الاقتصار على التحفظات اللفظية كما دأبت عليها الإدارة ، يمثل بدوره إلى جانب الاستيطان نفسه، عقبة كأداء أمام أية تسوية جدية . وخاصة بعد أن جهدت الإدارة من نزع أي طابع ملزم لتعهداتها السابقة بأن يكون العام الجاري 2008 هو عام التوصل إلى التسوية العتيدة. فقد انتقل الحديث إلى مجرد الإعراب عن الأمل ..وذلك بعد أن رفضت حكومة الاحتلال التقيد بأي جدول زمني .
لقد كان لافتاً أن يتحدث ناطقون باسم الإدارة عشية القيام بالزيارة ، بأن بوش لن يجمع أولمرت وعباس في لقاء ثلاثي . فحتى ذلك وعلى شكليته الشديدة ،فإنه غير متوقع وغير منتظر، أي أن هذا الإنجاز البائس ليس في متناول اليد ، بما يدلل مسبقاً على السقف المنخفض لتوقعات الزيارة البوشية ، التي سوف تقتصر على "تشجيع" الاستمرار في التفاوض، وتقديم معونات مالية للسلطة وعملياً كبديل عن الحلول السياسية الغائبة ،وإلى أن ينقضي العام ويقول الرئيس إنه بذل جهده ولكن الصعوبات كانت اكبر منه .ولا شك أنه ما زال يبذل جهده في هذه الأوقات لإرضاء حلفائه المحتلين، وترك الخيار لهم إذا كانوا يرغبون في إعادة جزء من الأراضي المحتلة لأصحابها أم لا !.
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"