07 كانون ثاني, 2008
غياب عن الأردن وحضور في العالم
محمود الريماوي *
يرتبط اسم مروان المعشر بمفاصل هامة من تاريخ الأردن .فهو أول سفير أردني لدى الدولة العبرية بعد توقيع المعاهدة الارنية الإسرائيلية .ويعود له كما لآخرين فضل الإعداد لاتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة في أثناء عمله سفيرا لدى واشنطن، وهي الاتفاقية الأولى التي تعقدها واشنطن مع دولة عربية. والمعشر الى ذلك ترأس اللجنة العليا للأجندة الوطنية ، وهي أول وثيقة ذات صفة رسمية من نوعها في تاريخ البلاد ، وتشكل عنواناً ومرجعية للرؤى الإصلاحية .
هذه مفاصل هامة رغم حداثتها في تاريخ الاردن، ومع ذلك فبعضها أدى لحرمان مروان المعشر (52عاماً ) من الشعبية لبعض الوقت مثل السفارة في تل أبيب. غير أن كثيرين قد لا يعلمون أنه نسج خلال فترة عمله القصيرة (نحو 16 شهراً )علاقات وثيقة مع القوى السياسية العربية داخل الخط الأخضر، ومع قوى السلام الاسرائيلية إبان فترة رابين وازدهار آمال السلام آنذاك مع توقيع اتفاقية اوسلو. وهو ما جعل المعشر في النتيجة مع تمسكه بالمعاهدة، من أشد المناوئين للتوسعية الاسرائيلية. وهو ما حدا به بعد ذلك بسنوات في أثناء تقلده لحقيبة الخارجية ، للوقوف بقوة مع مرافعة الأردن ضد جدار شارون أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، مما أثار حنق اليمين الاسرائيلي عليه وعلى الأردن .
في اتفاقية التجارة الحرة سعى المعشر الى تقنين العلاقة مع الولايات المتحدة بحيث تحقق مكاسب اقتصادية دائمة للأردن تتجاوز البعد السياسي في العلاقات الثنائية.وهو ما سعت دول عربية أخرى للنسج على منواله وأحيانا دون نجاح .وهناك اتفاقيات تجارة حرة تجمع الاردن مع مصر والمغرب وتونس والكويت .
أما الأجندة الوطنية وأيا كان مدى التزام الحكومات بها، فهي تسد ثغرات في القوانين وتؤشر على ما يستحق التطوير أو التعديل منها، وتمثل مرشداً للإصلاحيين حتى اولئك الذين تتباعد بينهم الرؤى فهي ملك لهم وللأردنيين جميعا كما للدولة الأردنية ،ولكل من شارك في إعدادها وصياغتها.ومع الوقت ها هي تمتلك قوة معنوية كإحدى الأدبيات الراسخة للدولة، والتي يصعب معها على أي مناد بالإصلاح التنكر لها أو تجاوزها .
خلال العامين الماضيين قام المعشر الذي ابتدأ حياته المهنية صحفياً مطلع الثمانينات في "جوردن تايمز"، بتأليف كتاب بالانجليزية عن قضايا الإصلاح في الأردن والعالم العربي يعرض فيه اجتهاداته حول الإصلاح الشامل باعتباره خياراً وطنياً وحاجة ذاتية صميمة ،على أن تتم ترجمته الى العربية في بيروت. وحتى تاريخه لم يصدر الكتاب باللغتين .
مما يستوقف المرء أن المعشر تبوأ مواقع رفيعة : وزير إعلام، وزير خارجية، وزير بلاط ، نائب لرئيس الوزراء ،متحدث رسمي باسم الوفد الاردني لمفاوضات السلام في مدريد (1991) ، عين ، سفير، وهي أعلى مناصب يصلها أردني مسيحي حسب العرف الجاري، وهو من درس علوم الكمبيوتر لا علوم السياسة أوالإدارة. وقد أهلته خبراته ومواهبه الشخصية هذه لاحتلال موقعه الرفيع الحالي بتمثيل الأردن حالياً كنائب لرئيس البنك الدولي للشؤون الخارجية والاتصال والعلاقة بالأمم المتحدة وذلك في منافسة دولية مفتوحة.وكان من سوء المصادفات أنه تبوأ موقعه الأخير والحالي في عهد بول وولفوفيتز رئيس البنك آنذاك.غير أن وقتاً طويلاً لم يمض حتى كان ذلك الرجل الشديد المحافظة وصاحب السجل السيء، يترك موقعه نتيجة عملية محاباة من طرفه لإحدى موظفات البنك، واحتفظ المعشر بموقعه دون ارتباط بين اسمه والرئيس السابق، بل إن اسمه تردد بعد استقالة وولفوفيتز لرئاسة البنك التي ذهبت الى الأميركي روبرت زوليك.على أنها المرة الأولى التي تحتل فيها شخصية عربية موقع المسؤول الثاني في هذه المؤسسة الدولية.
يضم البنك الدولي في عضويته 184 دولة بما يناهز عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة . والبنك في ذلك ليس أميركياً حسب بعض الانطباعات ، إلا إذا احتسبت الأمم المتحدة مثلا منظمة أميركية لا دولية، .وقد تأسس البنك واسمه الكامل "البنك الدولي للإنشاء والتعمير" في العام 1944،وقبل أن تحظى واشنطن بنفوذها الطاغي على المسرح العالمي.ومع ذلك فلا شك أن هذه الهيئة الدولية تستحق النقد أو قابلة لنقد بعض جوانب أدائها شأنها شان أية هيئة أخرى ،وهو ما على المعشر بحكم موقعه الحساس كمسؤول عن الاتصال أن يجيب عنه .
ويستحق الانتباه بعدئذ أن المعشرانتقل الى هذا المنصب الدولي في 15 آذار مارس الماضي ، بعدما وجد نفسه كما يبدو في حالة تقاعد مبكر وغير اختياري مع تسميته عيناً.وعضوية مجلس الأعيان مع ما يحف بها من تقدير ثمين وتكريم عالي الشأن لصاحبها، إلا أنها تعني في الوقت نفسه اختتام الحياة المهنية، وحيث يتمتع بهذه العضوية عادة أصحاب مراكز عليا سابقون ممن بات "مستقبلهم" وراؤهم لا أمامهم !.
ولهذا فإن كثيرين يفتقدون هذه الأيام مروان المعشر، الشاب المخضرم وأحد رجالات الدولة البارزين الذين يمتلكون رؤى إصلاحية متماسكة (تمسكه بإلغاء وزارة الإعلام مثلاً أياً كانت تسميتها )،وممن يتمتعون بانسجام تام مع النفس بغير ازدواجية في الخطاب والأداء، مع ما لديه من حضورشخصي أليف، وهيئة أستاذ مثابر منصرف لمحاضراته وأبحاثه، دونما انشغال بسفاسف الأمور كالقيل والقال وشخصنة قضاياعامة.
افتقاده ملحوظ هذه الأيام وخاصة مع صعود مجموعة إصلاحيين جدد إن صحت التسمية ، فلو كان المعشر مثلاً بينهم ومعهم وفي الموقع ذي التأثير الذي يستحقه ، لبدا صعود هذه الموجة أكثر إقناعاً ومثاراً للطمأنينة .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"