مدونة محمود الريماوي

« | »

ضحية العسكر والأصوليين

          ضحية العسكر والأصوليين

                                              محمود الريماوي*

 

حين يصبح القتل وسيلة السجال السياسي والأداة المختارة لإفحام الخصوم والمنافسين، فذلك يعني إفناء الحياة السياسية ، وحرمان المجتمعات من أن تنعم بحياة طبيعية سوية ،تقوم على التنافس السلمي ومظلة القوانين العمومية .

هذا أحد ابرز الدروس المستخلصة من الاغتيال المعلن لبنظير بوتو.فقد تعرضت لسلسلة تهديدات كما تعرضت لتفجر انتحاري في موكبها يوم عودتها للمرة الأولى إلى موطنها في التاسع عشر من أكتوبر الماضي ،وقد واجهت ذلك كله ببسالة، رغم ما توصف به النساء بأنهن مهما بلغن من الشجاعة فلا يدانين جنس الرجال فيها. واجهت الخطر وهي في حالة شبه انكشاف أمني، فأمكن لقاتل وصف بأنه رامٍ ماهر أن ينال منها ببضعة رصاصات سددها إليها، مساء الخميس الماضي قبل أن تعتلي منصة خطابة في روالباندي .

كان محور رسالتها رفض حكم العسكر (وكان هؤلاء قد أودوا بأبيها  رئيس الوزراءعلي بوتو) والتمسك بالحياة المدنية الديمقراطية، بما يجعلها من الرموز الوطنية والتحديثية في ذلك البلد المنكوب .فلما برزت ظاهرة الأصولية الدموية نتيجة العلاقات شبه العلنية بين العسكر وطالبان أيام حكمها لأفغانستان ، فقد وقفت ضد هذه الظاهرة التي تهدد ليس الأنظمة القائمة في الباكستان بل مفهوم الدولة أيضا . ولهذا نشأ تحالف موضوعي بين الأصوليين والحكم القائم، كان يجد أهم مشتركاته في العداء المستحكم لبوتو وحزبها حزب الشعب .

لقد انشغلت فضائيات عديدة في التساؤل،عما إذا كان أصوليون أم أجهزة رسمية وراء اغتيالها . ومن الواضح أن الطرفين معا يتحملان المسؤولية، بصرف النظر عن الفاعل.فقد كانت الراحلة تشكل وعداً للباكستانيين بعودة الأمل في حياة طبيعية مدنية ، عبر انتخابات حرة كانت مقررة في الثامن من يناير المقبل، وهو ما يجافي مصالح العسكر واحتكارهم للسلطة والامتيازات ،ويتعارض مع رؤى الأصوليين المناوئة لقيام دول حديثة ومجتمعات تعددية .

يتحدث خصومها عن اتهامات بالفساد كانت تلاحقها.الدولة المدنية التي ناضلت من أجلها كانت قمينة بمحاكمتها لو صحت الاتهامات وربما كانت في جانب منها صحيحة،ومحاكمة أي فاسد ومستبيح لدماء وكرامات الناس.ولو كان خصومها جادين في اتهاماتهم لأفسحوا في المجال أمام قضاء مستقل،لا أن يعبثوا بالمحكمة الدستورية أعلى هيئة قضائية في البلاد فكيف بالهيئات الأدنى منها ،كما هو حال العسكر الحاكمين سعيداً ، فيما الأصوليون من جهتهم ينكرون الحاجة إلى أية سلطة قضائية، ويعتبرون العمليات الانتحارية في المساجد أيام صلاة الجمعة، أفضل وسيلة للتقاضي وإصدار الأحكام وتنفيذها،وهو الأسلوب الذي تميزوا به في بلاد محمد علي جناح مؤسس دولة باكستان .

بهذه الجريمة النكراء التي نالت من أول رئيسة وزراء في بلد إسلامي مع 16 آخرين من الأبرياء، فإن هذا البلد الكبير يمعن في الدخول في نفق شديد الظلمة.فالاحتراب الأهلي بات نشاطا يوميا . وادعاءات السلطة بالحفاظ على الأمن ستقود مجددا إلى كم الأفواه وتعطيل الدستور وفرض حكم طوارىء. والمعارضة الأصولية سوف تجد في الفوضى الضاربة أفضل بيئة لازدهار نشاطاتها، بتصفية الحساب مع كل ما تخاصمهم ومع وجود الدولة، بالاحتكام إلى السلاح دون سواه. والفتنة الطائفية بين الجناحين المسلمين وهي قائمة منذ سنوات وسط تعتيم من مفكري الأمة الإسلامية، سوف تتغذى بمزيد من الشحن والتأليب وبعدما زُين لسلفيين أن الطريق بات ممهداً أمامهم ل"اجتراح " ما يشاؤون من إبداعات..

وفي غمرة الاستقطاب والاصطراع بين أصحاب السطوة ، فقد تتكرر بعض مظاهر المشهد العراقي حيث تحل القبائل محل الأحزاب، والانتماءات المناطقية محل الانتماء إلى الوطن

والتعصب محل التدين، والعصابات والميليشيات محل الدولة، إلى أن يتم تقاسم السلطة  بصورة أو بأخرى.. بانتخابات أو بدونها، بين أتباع المدرسة الواحدة من العسكر المحافظين والأصوليين، أو تفتح الحرب الأهلية أشداقها لتبتلع الجميع .

سيدة مثل بنظير بوتو كانت تشكل خطراً عليهم ،وهي العزلاء التي لا تقود ميليشيا والتي لم تقتل أحداً، وذات السيرة التراجيدية بعدما فقدت أباها وشقيقيها في جرائم سياسية، ورغم التهديدات العلنية التي طاردتها، فقد عادت إلى وطنها على كره من النظام العسكري، ولم يجد خصومها الأشاوس من وسيلة للسجال معها ومنافستها ،سوى السعي لقتلها وتفجير من يحيط بها من البشر.

وقبل ذلك بذلت الراحلة جهوداً حثيثة مع السلطة الحاكمة من أجل الدفع نحو عودة الحياة المدنية، وتجنيب البلاد المزيد من التدهور الأمني والسياسي ،لكن أنانية النظام الحاكم عرقلت هذه الجهود وبددتها، إلى انتهى الأمر بإزاحتها بصورة دموية عن المسرح، وهو ما فتح الباب أمام التهاب الشارع وسريان فوضى مدمرة ،وسد الآفاق أمام أية حلول سياسية في الأمد المنظور بما في ذلك الانتخابات التي باتت في الظروف الحالية، طريقاً  للتجييش وتغذية المنازعات بدل أن تكون وسيلة لضبطها .

وهذه في نهاية الأمر هي الوعود التي يحملها السادة الحاكمون ومعهم المعارضة المتطرفة، لشعبهم وبلادهم ولعموم الأمة .

*رئيس تحرير صحيفة "السجل"

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba