01 كانون ثاني, 2008
منطق القفز عن الأوطان !
محمود الريماوي*
هناك حاجة للاعتراف بأن الأزمات التي تأخذ بخناق دول ومجتمعات عربية، لن يقيض لها الانفراج بمجرد العون الخارجي، علماً بأن هذا العون يشكل في العديد من الحالات عامل تعقيد وشكلاً من أشكال استثمار الأزمات .
خبرة المأزق في العراق تدلل على ذلك، رغم الدور الجوهري للعامل الخارجي في التأزيم (الاحتلال الأميركي، فرق المرتزقة، منظمة القاعدة ). فقد أثبتت مجريات الوضع وتحولاته وتقلباته، وحصيلة أشكال الاهتمام الخارجي ( كلُ يريد وصلاً بليلى ..) ،أن أي حل لن يقيض له النجاح إلا إذا انبثق وابتدأ من الداخل،على أيدي أصحاب الشأن وبتوافق إراداتهم .
الأزمة المتطاولة في لبنان تثبت أمراً مشابهاً. كل مظاهر الاهتمام الخارجي غير قابلة للترجمة السياسية على الأرض، بغير توافق القوى الفاعلة على مبدأ التسوية الداخلية. المؤسف أن الاستقواء بالخارج يمثل العقبة الأولى أمام الوفاق .فسائر الأطراف تتصرف باعتبار أنها ذات "عمق " خارجي، وإن لم يكن دائما ظاهراً للعيان ، وأن على الآخرين أن يحسبوا حساباً
لذلك قبل فوات الأوان ! .
وحتى في فلسطين ورغم الحاجة الوجودية للدعم الخارجي للقضية العادلة، فإن مسار الأحداث يثبت أن هذا الدعم متى توفر، فإنه لن يؤتي أكله بل يتبدد بغير توافق داخلي بين أبناء القضية الواحدة .
ليس مطلوباً في جميع الحالات: في العراق ولبنان وفلسطين رغم اختلاف الظروف وطبيعة التحديات ،التخلي عن روابط قومية ودينية، ولا إدارة الظهر للمجتمع الدولي ولا الأمم المتحدة وهيئاتها ولا حتى المراكز الدولية النافذة. المطلوب خلاف ذلك هو إحياء الوطنيات: الروابط الجامعة ،الوحدة الوطنية، الائتلافات السياسية العريضة التي تخترق الفئويات، والإدراك خلال ذلك إن إحياء الروح الوطنية هو خشبة خلاص جرى تجاهلها، وجرى معها دفع ثمن غال من تماسك المجتمعات ومن الممانعة الداخلية ،ضد التحدي الخارجي وأمام عوامل التفكك الذاتية .
ليس المقصود التبشير بانكفاء أو انغلاق ما ، فذلك مستحيل عملياً وضار واقعياً. بل الغاية هي الدعوة للالتفات للعامل الذاتي ، باعتباره منصة انطلاق لاجتراح الحلول ولإعادة اكتشاف الجوامع المشتركة، ولاجتذاب الدعم الخارجي من بعد، كي يوظف في خدمة مصلحة وطنية لا مصالح فئوية لهذا الفريق أو ذاك وبما يديم الأزمات عملياً ويغذيها .
كيف يمكن لأي دعم خارجي مرغوب ومطلوب أن يسهم مثلاً في حل الأزمة العراقية، ما دامت القوى العراقية تختلف ما بينها حول صورة الدولة والعملية السياسية وحول مستقبل الوطن وركائز سيادته واستقلاله، وما دام هذا الاختلاف يعبر عن " نفسه " بالاحتكام الى العنف ؟ .
وكيف للبنانيين أن يفيدوا من أي دعم خارجي، ما دام يفرق بينه رموزهم وزعاماتهم الاختلاف حول صورة وماهية الدولة والنظام السياسي، وحول موقع الوطن في بيئته ومحيطه ؟ .
وكيف للفلسطينيين أن يتقدموا إلى الأمام ما داموا يستكثرون على أنفسهم التوحد أمام عدو يتفوق في قدراته عليهم عشرات المرات والأضعاف، وما دام أن الاستقواء بالخارج يتقدم في الأهمية والاعتبار على الاعتصام بالوحدة الوطنية ؟ .
من المفارقات إن لم يكن من دواعي السخرية، أن التطلع للخارج والاحتكام اليه واستدخاله إلى الحياة السياسية الوطنية، يتم جنباً إلى جنب مع يقظة العصبيات الداخلية ، والتنبيش عن المزيد من الفوارق والخصوصيات لكل جماعة سياسية !. بهذا يتم القفز من مربع ضيق ومغلق تمثله العصبيات والولاءات الأولية ، إلى فضاء فسيح ممتد يتمثل بقدرات دول كبيرة مستقرة، وذلك يحدث بتجاهل الإطار الوطني وحتى ازدرائه، وإنكار أن يكون مجرد حلقة وسطى بين الانتماءات الضيقة والتطلعات الرحبة، باعتباره ذلك الإطار لا يستحق التعويل عليه ولا يرضي طموح أصحاب الرؤى العقائدية والقومية والأممية وهم أصحاب العصبيات أنفسهم ! .
عليه فالدعوة التي يتضمنها هذا المقال لإعادة اكتشاف الوطنيات كمرجعية ونقطة انطلاق وتلاقٍ ،ترمي إلى الحد من مفاعيل العصبيات وعوامل التفتيت وأسباب التنازع ، لا قطع الروابط مع المحيط القومي والبيئة الروحية ومع الشرعية الدولية وحضارة العصر.لقد أدى التهوين من قيمة الروابط الوطنية والإعلاء من شأن التماهي مع مرجعيات خارجية وعمليا مع مصالح خارجية، إلى ما نشهده من انقسامات أفقية وعمودية في البلدان والمجتمعات الثلاثة ،وهو ما يحمل على الدعوة لإعادة الاعتبار للمحددات والوشائج الوطنية باعتبار الرجوع اليها والاسترشاد بها ،هو المدخل الذي لا غنى عنه للتعامل مع التحديات، وسوى ذلك فإن أي دعم خارجي لن يثمر ما دام يقع على أرض رخوة وفي بيئة تناحرية، مما يجعله قابلاً للتوظيف الفئوي وتغذية عوامل التأزيم .
لقد انتهت أدبيات الوحدة العربية وممارسات حركات قومية ، بالصورة التي تمت بها إلى تفتيت الوحدات الداخلية. الآن يجري إعادة إنتاج هذه التجربة بمسميات ويافطات شتى متعددة الألوان، والحصيلة على الأرض هي ما نرى وترون .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"