28 كانون اول, 2007
تبديد كل فرصة للنجاة !
محمود الريماوي *
درج الناس على ربط العيد بالواجبات، فالاحتفال بهذه المناسبة السعيدة بات يعني أساساً أداء واجبات ولا شيء غير ذلك. وبما أن الحياة زاخرة بالأعباء، فالذي يحدث أن العيد لا يحرر الناس منها، بل إن الواجبات تتضاعف في هذه المناسبة. وللتعبير عن الضيق المكتوم بهذا الواقع، فقد تواضع الناس على التسليم قائلين: "العيد ليس لنا. العيد للأطفال وليس للكبار". وفي ذلك رفع لأي التباس أو مظنة بأن الكبار قد يهنأون في العيد!. وعلى كل حال فلقد كانت سيماهم في وجوههم قبل أيام.
دينياً، العيد للكبار وللصغار على السواء بغير تفريق. و"صلة الرحم" من طبيعة العلاقات الإنسانية على الدوام، لا في الأعياد فقط. لكن بما أن الناس قطعت صلتها بالحياة الطبيعية والأواصر العائلية وانصرفت لعبادة المال، فالعيد يأتي للتذكير ويدفع للتعويض عن التقصير، كمن وجب عليه سداد ديون متفرقة ومتراكمة دفعة واحدة. علاوة على العجز المزمن عن ملء وقت الفراغ بما هو بهيج، والحديث يدور هنا عن أفراد الطبقة الوسطى العريضة لا عن الأغنياء الذين يتدبرون أمورهم فيمضون العيد في إجازة على شواطىء العقبة أو خارج البلاد. وحتى بعض هؤلاء فهم لا يجدون ما يفعلونه بالمناسبة سوى تناول المزيد من الطعام والحلويات والتدخين، ولا يروق لهم سوى التداول مع ضيوفهم في أسعار الأراضي والعقارات والأسهم والسيارات، واستدراج المزيد من الأمراض لأجسامهم المثقلة والكسولة، وتجنب الضحك وأية مظاهر للتسلية والتسريةعن النفس والبدن، والزعم بأن ذلك قد فات أوانه.
كان أبناء الجيل القديم يمضون عصاري أيامهم باللقاء مع الجيران، ثم يتسامرون بلعب الورق أو لعبة الطاولة أو المشي في الحي، وتشجيع الأبناء في السهرات على الغناء وتقليد الأصوات ورواية النكات، والقيام برحلات عائلية حسب الإمكانيات.. لقد تم هجر هذه العادات وما يشبهها وحل بدلاً منها العبوس والشرود، وانقطع أفراد العائلة عن بعضهم بعضاً بمن في ذلك رب العائلة دائم التشكي، والذي يستغرقه تدبير الحال حتى لو كانت حالته جيدة وتتحسن باطراد.
ولا يتغير الأمر في العيد، إذ يرتفع منسوب التجهم العام ارتفاعاً ملحوظاً.
بهذا ننجح نجاحاً خارقاً في تحويل مناسبة بهيجة إلى روتين بطيء وثقيل، علماً بأنها مناسبة نادرة تستحق اقتناصها لا إطفاءها، فهي تقع مرتين فقط في العام الواحد، ونفلح بذلك في تبديد أية فرصة لتجديد الحياة والنجاة من الرتابة، حتى عندما تسنح الفرصة لذلك كما في مناسبة العيد. ثم نصبح أسرى لهذه العادات التي نصنعها نحن بأيدينا، ونعمد لنقلها للأبناء من ذكور وإناث، ما إن يتخطوا العشرين من أعمارهم الغضة.
صدق الشاعر حين قال: نعيب زماننا والعيب فينا.
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"