26 كانون اول, 2007
شيء ما عن دولة خليجية
محمود الريماوي *
شيء ما يشد المرء إلى بلد عربي "صغير " هو البحرين. أيكون هذا الشيء هو كفاح شعبها الشقيق وإقباله على العمل المنتج في البحر وعلى الأرض في الزراعة وفي المصانع وفي سائر المهن اليدوية والمهنية والذهنية ؟ أم هو دورها الثقافي الريادي في منطقة الخليج العربي، ومواكبة شعرائها وناثريها ونقادها لحركة التجديد المشرقية منذ نحو نصف قرن مضى.؟ أم هو التشبث بالديمقراطية كخيار مبكر والتلاقي الذي تم منذ مطلع الألفية الثالثة بين المستويات الشعبية والرسمية، على عودة الحياة النيابية وإطلاق حرية الصحافة وتشكيل التجمعات السياسية ؟.أم هو سياستها المسالمة القائمة على التعاون مع دول شقيقة ، والارتضاء على سبيل المثال قبل سنوات بالتحكيم الدولي مع الجارة دولة قطر بخصوص نزاع حدودي ؟.أم هو مرونة نظامها السياسي الذي جعل منها مركز استقطاب نادر لمصارف عربية وأجنبية، رغم شح مواردها النفطية مقارنة بدول نفطية أخرى ؟ أم حيوية مجتمعها المدني الذي انعكس على مختلف جوانب الحياة العامة ؟ .أم هو التعاطف مع هذا البد وشعبه ضد ادعاءات توسعية تستهدف وجود البلد وكيانه ؟ .
لعل جملة هذه الأسباب هي التي تجعل المرء مشدوداً إلى تلك التجربة، رغم ما واجهته من صعوبات وحتى عثرات غير هينة في بعض المراحل.غير أن هناك سبباً طارئاً يجعل المرء مشدوداً هذه الأيام إلى بلاد ديلمون، وهو ما تتوارد عنه من أخبار تترى، تثير من التأمل بقدر ما تثير من القلق. والمقصود بها الأخبار التي تتناول مواجهات عنيفة متفرقة لكنها متتابعة في الشوارع، ومظاهر "معارضة" ذات منحى تهديدي غير سلمي تتخذ من الشارع مسرحاً لها، ومن الممتلكات العامة وأحيانا الخاصة هدفاً لها.
تكرار هذه الأحداث يثير القلق. فمآل مثل هذه التطورات إذا لم يتم احتواؤها من أهل العقل والربط معروف، وتدل عليه شواهد ناطقة في بلدان ومجتمعات أخرى عربية وإسلامية. وهو تأجيج نزاع أهلي وتشديد القبضة الأمنية وإغلاق فرص التطور السلمي ووقف دورة الحياة الطبيعية بما فيها الحياة السياسية، وفرض أولويات طارئة على المجتمع، وإثارة ما لا يحصى من حساسيات، وتحويل الحوارات إلى سجالات محمومة وظيفتها الشحن لا التماس المشتركات، ولا الالتفاف حول مرجعية الدولة وقوانينها مع السعي لتطوير هذه القوانين عبر القنوات الدستورية. وفي المحصلة تهديد الاستقرار السياسي والاقتصادي والنسيج الاجتماعي،وتعريض مجمل التجربة الوطنية للمخاطر .
من دواعي الاستغراب أن يتم استقبال التحول الديمقراطي والتعامل معه عبر اللجوء إلى العنف ومواجهات الشوارع .فالأصل أن ينزع الاحتكام لهذا الخيار، أية ذرائع للعنف وما يلحق به من تسميات وتصنيفات .والأصل أيضاً التقيد بالقوانين والسهر على حسن تطبيقها من سائر الأطراف بغير استثناء، ففي ذلك كل المصلحة للمجتمع والدولة على حد سواء. من هنا تساور المراقب عن بُعد مشاعر القلق إزاء مثل هذه التطورات المؤسفة المتتالية، في بلد مشهود له باتساع آفاق الحوار ورسوخ تقاليد التعددية بين مكوناته الاجتماعية والفكرية.
ذلك ما يحمل على دعوة أهل الرأي والنظر من مختلف التيارات والمنابت وهم كثر في ذلك البلد العزيز، على التصدي لهذه الظاهر المقلقة وعدم "التطبيع " معها، بالحؤول دون احتسابها ظاهرة عادية أو من قبيل شغب الشوارع والأحداث الفردية المتفرقة. فمن الواضح أن هناك استبطان لادعاءات وتطلعات شتى، واستغلال متعمد لوقائع حقيقية، وعزوف عن وضع أمور في نصابها القانوني والإداري وبين يدي مؤسسات دستورية كالبرلمان والقضاء، ووضعها بدلاً من ذلك في عُهدة الشارع وفي أيدي بعض الفتية، واختيار أساليب تنحو نحو العصيان والتمرد ، بدلاً من المطالبات المنظمة وحتى الاحتجاجات السلمية المعهودة .
لا شك أن تجربة التحول الديمقراطي في البحرين بحاجة إلى استكمال لاستيفاء جميع أركانها كما هو حال هذه التجربة في دول عربية أخرى ، كاليمن والكويت ومصروالأردن وموريتانيا وسواها.غير أن ثمة تحدياً داخلياً يستحق الاستجابة الناجعة له، وذلك بعدم الخلط سواء عن غفلة أو بصورة متعمدة، بين نزعات التطوير والإصلاح المشروعة بل الواجبة، وبين المس بالسلم الأهلي والنسيج الاجتماعي ، تحت عناوين ملتبسة وحمالة أوجه وقابلة للاستغلال لغير غايات سد الثغرات وتصويب المسار .
إضافة إلى محاذير أخرى تواكب المراحل الانتقالية، كأن يُعهد بالسهر على إرساء التحول الديمقراطي، لمن لا يقيمون كبير وزن لهذه التجربة ومعاييرها ومحدداتها، أو يعتمدون أساليب عمل تنتسب لعهود سابقة ولغايات مغايرة للأهداف الوطنية العامة التي تحمل الدولة لواءها، في الانتصار لقضية الديمقراطية والعمل على استكمال بناء دولة القانون، جنباً إلى جنب مع القوى الحية العريضة بمختلف تلاوينها ومذاهبها ومشاربها في المجتمع.
إلى ما تقدم هناك كما هو جلي صعوبات اقتصادية وإدارية تتمثل في مستويات من البطالة وحتى مظاهر الفقر يشهدها مجتمع البحرين. يُفترض أن يشكل التكامل الخليجي في إطار مجلس التعاون أحد مداخل معالجة هذه الظواهر، فالإعداد للسوق الخليجية المشتركة يتسع لا بد وحُكماً ، لاستيعاب العمالة البحرانية ومعاونة هذا البلد على حل مشكلاته الواقعية والقابلة للحل .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"