20 كانون اول, 2007
لماذا انكفأ اليساريون والعلمانيون ؟
محمود الريماوي *
منذ نحو ربع قرن يثور تساؤل : لماذا تشهد دول ومجتمعات عربية انفضاضاً عن التيارات القومية و واليسارية و الوطنية والليبرالية، تجتذبها في المقابل تيارات الإسلام السياسي؟.
لماذا تجد التيارات العلمانية صعوبة متزايدة في استقطاب مؤيدين لها؟
هناك أجوبة عديدة على السؤالين هي من قبيل التفسيرات، منها :أن أجواء الهزيمة في الصراع العربي الاسرائيلي، وإخفاق ردود الانظمة والمقاومات غير الاسلامية على الهزيمة، أشاع أجواء من الانسحاب الى الدائرة الغيبية لالتماس نصر طال التوق اليه . ومنها أن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 أشاعت آمالاً عراضاً بمنازلة الولايات المتحدة والحد من نفوذها في المنطقة،ولم تكن هذه الآمال في غير محلها، وهو ما أكسب جماعات الإسلام السياسي جاذبية ملحوظة في أنظار الجمهور، وذلك على حساب التيارات العلمانية.
وهناك أيضا المقاومة الباسلة التي أبداها حزب الله في حقبة التسعينيات،بعد أن أزاح المقاومة اليسارية ودفعها دفعاً وقسراً الى التقاعد المبكر.
ومن هذه الأسباب أو العوامل استمرار وتيرة التضييق على القوى الديمقراطية والمستنيرة، في سياق كبت وكبح الحركة الشعبية ، وفي حالات اخرى التنكيل بها مما أضعف من فاعليتها وقلص رقعة وجودها.
ومن هذه الأسباب أيضا الضائقة الاقتصادية والنزوح الكثيف من الريف الى المدن، بما أدى الى ترييف المدن وإضفاء طابع ريفي محافظ وطاغ على العديد من أنماط الحياة فيها. وكذلك نمو الفقر واستشراءالبطالة جنباً الى جنب مع نماذج الترف الاستعراضي والشره الاستهلاكي الظاهر، مما وفر في المحصلة بيئة صالحة للإنفضاض على ما سبق وانتعاش جماعات الإسلام السياسي ، وسهولة اختراقها واستقطابها لشرائح عريضة من المجتمع وبالطبع ابتداء وانطلاقاً من الطبقات الفقيرة و المهمشة والوسطى، دون أن تكون فئات واسعة من الميسورين خارج دائرة الاستقطاب هذه.
ترمي هذه المقالة الى التأشير الى سبب آخر لعله بنيوي أدى الى تراجع القوى الديمقراطية.وهو سبب او عامل ذاتي يتعلق بهذه القوى : بأدائها وخطابها ومناحي اهتمامها. ويتمثل هذا السبب أو العامل، في عدم أخذ قضية التنوير بالجدية الكافية وعدم منحها الأولوية التي تستحق طيلة عقود تناهز نصف قرن مضى. مما أدى في النتيجة، الى بقاء الجماهير كتلة يتناهبها نمط الحياة القديم، مع مفهوم للتسيس قائم على النقمة وهي لا شك مشروعة على القوى الخارجية النافذة والمتغولة.
والمقاربة هنا عامة وليست تفصيلية، فذلك ما يحتاج الى بحث أوسع يسع باحثين متمرسين الخوض فيه. كما أن هذه المقاربة تتناول وجهة عامة وأساسية، ولا تتوقف كما ينبغي عند الفوارق والخصائص الذاتية للمجتمعات والبلدان، وكذلك لدى القوى الديمقراطية والمتحررة في مشرق العالم العربي ومغربه.
وبما ان منافحة التحديات الخارجية المتمثلة في الحلف الأميركي ـ الإسرائيلي غير المقدس (سياسياً وأن كانت تحف به بالحلف مزاعم دينية قدسية، أيديولوجياً). بما أن هذه المنافحة أو المناوأة هي ما يجمع القوى الاجتماعية الرئيسة والمنتجة، وهي أيضا ما يوحد يساريين وقوميين وإسلامويين، فقد تم طرح التغيير الثقافي جانباً وملامسته نخبوياً فقط، حتى انتهى الامر الى إضفاء طابع ديني على الصراع السياسي المحتدم، دون تجاهل المنحى الديني للقوى المعادية. وفي ظل ذلك أمكن القوى الدينية ان تخاطب الوعي الأولي، وأن تعمد الى تبسيط المهمات، وذلك وفق القاعدة التي تفيد بأن لكل مشكلة جواب بسيط وفي متناول اليد، لكنه في الغالب الأعم يكون خاطئاً.
غير أن التيارات الإسلاموية الصاعدة ترفض هذه المقولة ويقول ممثلوها "لقد جربنا الطروحات الوطنية والقومية والاشتراكية، على مدى نصف قرن فماذا كانت النتيجة؟".هذا إذا لم يتم تكفير رموز تلك القوى !. وفي النهاية يُطرح السؤال : لماذا لا تجربونا، لماذا لا يتمتع الاسلاميون بفرصة أتيحت من قبل لغيرهم؟. ولماذا تتم تخطئتهم مسبقاً وقبل ظهور الحصيلة والنتائج؟.هذه الأسئلة تلقى قبولاً مبدئيا لدى فئات اجتماعية واسعة، كما تستهوي حتى بعض رموز في العمل القومي التقدمي، وحيث يقوم بعض هؤلاء بالاستلحاق بالقوى الاسلاموية، ومحاولة اقتناص بعض من الشعبية الغامرة لمصلحتهم.
لم تنجح القوى الديمقراطية في نشر ثقافة تنويرية رغم محاولات جمة في هذا الاتجاه، بل إن العديد منها لم يلتفت إلى ضرورة نشر ثقافة سياسية دستورية، الى إلإعلاء من شأن دولة الحق والقانون وحيث كان يتم السخرية من البرلمانات في العديد من الحالات، والتشكيك بالأقليات كمكون اجتماعي وثقافي (الموقف الراهن من الأكراد كحالة سياسية وحتى ككتلة بشرية يكشف عن الموقف "العام" الذي يكاد ينكر وجود الأقليات مع الميل للتشكيك بهم). الى الاعتراف بالمرأة كشريك كامل بصرف النظر عن الجنسوية ، ورفض الممارسات الجائرة ضدها وما يستلزمه ذلك من نضال مدني للاعتراف بحقوقها في المواطنة والمشاركة السياسية والحريات الفردية،التي لن تتجاوز في النتيجة الحالة الثقافية العامة والأعراف السائدة التي يتحرك ضمنها الرجال.
لقد تم النظر الى هذه القضايا من طرف التيارات القومية واليسارية باعتبارها من النوافل والتفاصيل، التي لا تستحق الانشغال بها مقارنة بالمهمات الوطنية والقومية.وكان القصور الفكري يشكك في مثل هذه المفاهيم واعتبارها إما من ثمرات الانظمة الرأسمالية، او أنها لا تتفق مع خصوصية مجتمعاتنا. فيما هي في واقع الامر معايير كونية، شارك العرب والمسلمون ضمن إسهامهاتهم الحضارية السابقة في دفعها نحو التراكم والبلورة. وهي بالتالي ثمرة جهد بشري لا يقتصر على الغرب، وإن كان له فضل دفعها إلى الأمام.
ومن المفارقات أن الغرب الذي تتم أبلسته هو نفسه الذي يشكل مهوى أفئدة كثيرين بمن فيهم إسلامويين ، للسياحة أو التعليم أو الإقامة الدائمة في بلدانه وحتى التجنس بجنسية دوله، فضلاً عن استثمار الأموال فيه للمصارف الحلال، وحيث يتم الاعتراف ولو ضمناً بمستواه الحضاري المرتفع على صعيد احترام القانون وعموميته والتقدم العلمي والاقتصادي.
لقد أسهمت تيارات علمانية وما زال بعضها يفعل في أبلسة الغرب بعد وضعه كله في سلة واحدة.خلافا للتجربة الآسيوية التي رأت فيه تحدياً إيجابياً, ولم يكن المطلوب أبداً هو طرح التحديات الوطنية والقومية جانباً والانهماك في التغيير الاحتماعي والثقافي. بل كان المطلوب وما زال المواءمة بين الأمرين بما يجعل مواجهة التحديات الخارجية أكثر نجاعة، وبما يثبت للآخرين أن العرب والمسلمين شركاء ناشطين في حضارة العصر ضمن خصوصية معينة، وأنهم يستحقون التفاعل مع قضاياهم العادلة.
ليس الغرض هو نيل رضا الغرب، بل الوفاء للتحديات الداخلية والاستجابة الناجعة لها. أي أن الأجندة الوطنية والاحتياجات الداخلية والتنمية البشرية الشاملة هي الأساس والفيصل. غير أن القوى المشار اليها لم تفعل الكثير في هذا الاتجاه، وحين فعلت فإنها أخفقت ولم تجر مراجعة لأسباب هذا الإخفاق. مما أدى الى إرساء حالة اجتماعية ساكنة وقابلة للنكوص على قاعدة أن لا شيء يتقدم ولا صوت يعلو على المعركة.وأن التغيير الاجتماعي "مقدور عليه" حين يتم إنجاز حلقات المواجهة مع الاعداء.
الشرائح الاجتماعية التي تشكل المادة البشرية والخزان الإنساني لقوى الإسلام السياسي، هي نفسها التي كانت ذات يوم ليس ببعيد جماهير الأحزاب اليسارية والقومية. وما حدث هو أن الجماعات الدينية لم تجد كبير عناء في استقطاب الناس.فالخطاب الصادر في نهاية المطاف هو واحد ولم يتغير الكثير : معاداة الغرب ورفض المساومة معه والتمسك بالحقوق الوطنية والقومية، والاستعداد للتضحية الى ما لا نهاية في سبيل هذه الحقوق. الفرق هو النبرة والخطاب الديني والإيمان بحتمية النصر.فإذا ما أضيف الى ذلك التقديمات الاجتماعية من إعانات وصدقات ومن خدمات أخرى طبية وغيرها، ومن تشكيل روابط مختلفة واستثمار الروابط العائلية، ومن تركيز على وسائط الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة، أمكن فهم النفوذ الذي باتت تتمتع فيه قوى الاسلام السياسي والضمور الذي ترفل به قوى يفترض أنها علمانية ..
* رئيس تحرير صحيفة "السجل"