15 كانون اول, 2007
واشنطن وطهران : المواجهة الموقوفة
محمود الريماوي*
لا شك أن تقرير المخابرات الأميركية بشأن الشق العسكري من البرنامج النووي الإيراني قد خلط الأوراق ، وأفرز وقائع جديدة .عناد الرئيسين بوش وساركوزي لا يغير كثيرا في الواقع الناشىء .فالأزمة الأميركية الإيرانية سابقة على تفجر البعد النووي وما حدث أن هذا البعد أضفى مزيداً من التسعير على الأزمة الثنائية المستدامة .أما فرنسا اليمين الجديد فهي لا تجد لغة مشتركة ولا مساحة تفاهم مع طهران ، لانعدام الثقة المتبادلة ولخشية باريس من تعميم النموذج الإيراني في غير مكان في المنطقة .
مراقبون كثر استعادوا واقعة أسلحة الدمار الشامل التي لم يكن لها وجود لدى النظام العراقي السابق .والتي أدت لاستنزاف هائل عراقي وأميركي أيضا. كان تكرار تجربة اجتياح العراق مستبعداً مع إيران حتى قبل صدور التقرير الأخير، الذي يبرىء طهران من طموحات نووية عسكرية حتى تاريخه.
لن يكون ممكنا التفكير بإيفاد فرق تفتيش أميركية وأوروبية بغطاء من المنظمة الدولية .الدكتور البرادعي الذي تعرض لجملة في تل أبيب اكتسب مع صدور وكالة الاسخبارات المزيد من الصدقية . وكذلك المواقف الروسية والصينية في مجلس الأمن وخارجه . ومع ذلك فإنه في الوسع القول إن مثل هذه العناصر كانت متوافرة عشية اجتياح العراق في العام 2003 دون أن يكبح ذلك الجموح الأميركي. لولا أن إيران أكثر قوة من النظام السابق وما كان يبدو نصرا أميركياً عشية غزو العراق ، يقابله الآن مأزق لا يجد حلاً له في هذا البلد فيما تتصاعد الأصوات داخل المجتمع الأميركي الداعية للانسحاب " الآن " .
الراجح والواضح أن المواجهة التي يراد لها أن تكون مستدامة سوف تظل تتخذ من الأمم المتحدة ومجلس الأمن مسرحات لها ، إضافة إلى المواجهة الاستخبارية المديدة بين الطرفين في بلاد الرافدين والمواجهة السياسية في لبنان . وبهذا فإن سياسة إدارة بوش إزاء الجمهورية الإسلامية لم تعد تتوسل العثور على ذرائع وتعلات ، فهي ذات بعد استراتيجي ومضمون أديولوجي ومع حمولة دعائية هائلة لدى الجانبين ، بأكثر حتى ما كان لدى المواجهة مع المعسكر الاشتراكي .ولو كانت بلاد فارس جزيرة لرسم لها المخططون في البيت الأبيض والبنتاغون مصيراً مشابها لجمهورية كوبا .بإيقاع حصار دائم عليها .
اللافت هنا أن الجهد الخليجي غير المسبوق باتجاه الجارة إيران كما تمثل في قمة الدوحة ودعوة الرئيس نجاد إليها لم يفلح في مراجعة المواقف المسبقة والمتشددة .كان يؤمل أن تكون هذه الخطوة بمثابة مساهمة من دول المنطقة في كسر الجمود الخطير .لكن المناسية والمكان تحولا إلى منبر للخطابة عن الخليج الفارسي ، ( جرى التراجع كما هو باد عن مقترح إيراني بتسميته خليجاً إسلامياً ) . وجرى تجاهل التنازع الإيراني على جزر الإمارات الثلاث .
وبينما هناك تبادل تجاري نشط بين إيران ودول مجلس التعاون الست ، واستثمارات إيرانية هائلة في دول المنطقة ، فإن العقبات تظل تكمن في المخاوف الأمنية المباشرة وبعيد المدى . ولا ينفع في هذا المجال تكرار الدعوة لتوقيع اتفاقات أمنية ,فالأصل هو تهدئة المخاوف وحل المشكلات ، لا القفز عنها إلى اتفاقات أمنية لا مقدمات لها ولا بيئة من التفاهمات العميقة حاضنة لها .
ما تقدم هو مثال على أن هناك بعداً إقليمياً خاصا للتأزم الإيراني مع الخارج .فدول الخليج تشدد في سائر المناسبات والمنابر، على رفض المواجهة وحتى التصعيد بين واشنطن وطهران .وترفض استخدام أراضيها كمنصة انطلاق لأية مواجهة . وكررت من جانبها وعلى لسان وزير الخارجية السعودي عرضا روسيا لطهران ،بتخصيب اليورانيوم في الخارج وهو ما رفضته طهران .
وفي النتيجة فإن التواصل الإيراني الخليجي في قمة الدوحة ، قد رطب أجواء المنطقة وأعاد تفعيل الاتصالات بين الزعماء ، غير أنه لم يؤد بعد لانعطافة سياسية . وهذه كانت وما زالت مطلوبة ،للإسهام في نزع فتيل التوتر مع الغرب ، ومن أجل بث رسائل مفادها أن مبادىء الواقعية والتعاون وحسن الجوار في منطقة الخليج قابلة للترجمة : للأخذ بها وتوسيع نطاقها نحو العالم الخارجي ، وبما يجعل استهداف بلد ما هو إيران ـ في حال سادت وطبقت تلك المرتكزات ـ بمثابة استهداف للأمن والاستقرار في عموم المنطقة .
لكن اختراقا بهذا الاتجاه لم يقع يعد .مما ينعكس سلبا على الأزمة الممتدة بين طهران والغرب رغم أدى اليه تقرير سي .آي . إيه من تنفيس مؤقت . ومن المصادفات أنه بعد أكثر من عقدين على إنشاء مجلس التعاون الخليجي في أجواء الحرب الإيرانية العراقية آنذاك ( مطلع الثمانينات ) ، فإن المخاطر لم تنطفىء بعد .فالعراق ما زال بؤرة توتر خطيرة . وإيران تخوض مواجهة بالوكالة عنها مواجهة مع الاحتلال الأميركي هناك . والطموحات القومية الإيرانية لا حدود لها . وبشكل أكبر فإن الولايات المتحدة لا تبحث في المنطقة عن حلول بل عن انتصارات ! .غير أن الخسارة تشمل سائر الأطراف ربما باستثناء إيران .فقد نجحت طهران في استثمار الأخطاء الأميركية المهلكة وما زالت تحصد نتائج هذا الاستثمار .ولكن دون تقديم ما يلزم لطمأنة دول وشعوب المنطقة . وفي النهاية تسعى هذه الدول لأن لا تكون خسارة الآخرين خسارة لها ، وان لا يتم فوز البعض على حساب مصالحها في الأمدين القريب والبعيد .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"