مدونة محمود الريماوي

« | »

ما الذي تغير في الأردن ؟

ما الذي تغيّر في الأردن منذ العام 2000؟

محمود الريماوي *

 

 

 

هناك انطباعات عامة  ترقى إلى القناعات بأن «الحياة تغيرت» في الأردن، وخصوصاً في العاصمة عمان  . ويمكن وضع عام 2000 كحد زمني تقريبي لهذا التحول أو التغير ، الذي ترافق مع الدخول إلى الألفية الثالثة .وإن كانت البدايات والمؤشرات سابقة على هذا التاريخ .

ولا يتوقف الأمر عند انطباعات الناس واستشعارهم لهذا الوضع المتغير ، فهناك الى جانب ذلك أكلاف المعيشة والجديد في المرئيات ومشاعر التوتر والانفعالات الطافية ، التي جعلت الناس «يتغيرون» لا الوضع العام فحسب . هناك توترات ايجابية تجد تعبيراً لها بالإقبال على اكتساب  المزيد من الخبرات والمهارات ،  مع ظهور مهن وخدمات جديدة . والإقبال على العمل في القطاع الخاص بعدما كان هذا الإقبال قاصراً على العمل الحكومي ، ويعود الفضل الأول في ذلك إلى أنظمة الضمان الاجتماعي . وإقبال الفتيات والنساء على العمل حتى في مناطق بعيدة عن سكناهم ، وإقبال أفراد من الشرائح الوسطى على الاستثمار بدلا من الادخار الفردي ، كالاستثمار في بورصة عمان.

وعلى صعيد آخر، ولكن متصل، ازداد وعي الناس بحقوقهم في التنمية والخدمات الأساسية ، وارتفعت وتيرة مطالبهم وجرى الفصل بينها وبين المواقف السياسية ، وذلك كمطالب تنموية وخدمية تشكل حقاً من الحقوق الأساسية . وقد تمثل ذلك في الاعتصامات والمسيرات وأحيانا الإضرابات ، مع الحرص على النظام العام والوقوع في تجاوزات في أحيان قليلة .

التوتر الإيجابي يمكن ملاحظته في الارتياح لتحسن خدمات إدارات عديدة متصلة بالجهمهور كأمانة عمان وإدارة السير ووزارة الصناعة والتجارة . كما يمكن ملاحظة مظاهر أخرى للارتياح ، مثل النشاط الذي اعترى السياحة الداخلية بعد تحسن خدمات تنظيم هذه السياحة وبأسعار معتدلة . وحيث نمت الرغبة لدى الأردنيين في التعرف إلى وطنهم .

وفي واقع الأمر أن تغير إيقاع الحياة يجد واحداً من جذوره في التغير الاقتصادي . وذلك مع تقليص الدعم الحكومي للسلع وبالذات المحروقات التي ارتفعت أسعارها أكثر من مرة . وهو ما ولد حالة من القلق العام والشعور بأن زمن الحياة الميسرة قد ولى. وقد ترافق ذلك مع نشوء ضريبة المبيعات مما أسهم في رفع أسعار السلع والخدمات. كما تواكب مع ارتفاع في الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص . غير أن زيادة نفقات المعيشة طغت على الزيادات في الأجور وتعدتها . وهو ما رفع حد الفقر إلى نحو 400 دينار للعائلة المتوسطة العدد في المدن .

وقد حرصت الحكومات المتعاقبة على الحفاظ على قدر من التدخل والرعاية عبر صندوق المعونة الوطنية ودعم المشروعات الصغيرة .مع توجه استراتيجي لردم الهوة بين المناطق والمحافظات ، عبر إفامة مناطق اقتصادية خاصة في اربد والمفرق ومعان بعد تجربة العقبة .

وهي مشاريع طموحة .غير أن الحاجات العاجلة وضغوط المعيشة والثقافة السائدة ، لا تستشعر مردوداً ملحوظاً لهذه المشاريع .وهو مما يبقي على حالة التشكي العام .كما أن اعتماد حد أدنى من الأجور بلغ حتى تاريخه 110 دنانير ، لم يجر النظر اليه سوى من باب تحويل المتعطلين عن العمل إلى فقراء فقراً مدقعاً علماً أنه يفترض بهذا الحد أن يكون متحركاً ، وهذه هي فلسفته الأساسية .

هناك الآن مشاريع طموحة للتدريب المهني والتشغيل تتولاها القوات المسلحة وبأجور تتعدى الحد الأدنى للأجور بكثير لتصل إلى 191 ديناراً .ومن شأن الانخراط بها إحداث تغير ايجابي يعيد الاعتبار إلى العمل اليدوي والمهني، ويضمن إنشاء شريحة كبيرة من الفنيين والعمالة الماهرة ، بما يغير الثقافة السائدة ويحد من الحاجة إلى العمالة الوافدة .

أما التوتر السلبي الطاغي، فيجد أوضح وأقرب تعبير له في أزمة السير الخانقة ، وتدهور مستوى قيادة المركبات، ونقص في وسائل المواصلات العامة وارتفاع كلفة النقل ا لتكسي الأصفر مع انخفاض مستوى الخدمة . وخلف ذلك يكمن القلق الشديد على المصير الفردي والعائلي وذلك مع الارتفاع الهائل على أسعار العقارات والأراضي في العاصمة والمدن منذ أواخر العام  2004 مما جعل امتلاك شقة حلماً لأبناء الطبقة المتوسطة بعدما كان في دائرة الإمكان . وبينما يتناقص المعروض من الشقق، فإن تلك المتوافرة ترتفع أسعار إيجارها . حدث ويحدث ذلك فيما راجت في السنوات الثلاث الماضية قصص وحكايات عن أرباح طائلة وفجائية حققها مالكون نتيجة صفقات سريعة لبيع شقة أو أكثر إلى عراقيين . إضافة إلى ظهور أنماط من الاقتناء والاستهلاك الترفي، وأوضح مظاهره ما لا يحصى من المركبات الفخمة رباعية الدفع ذات الكلفة العالية من الوقود ، والمزيد من المجمعات الاستهلاكية (المولات )  التي تجتذب العائلات وفئات الشبان في عمان وإربد والزرقاء والعقبة  ..

  وفي النهاية، فقد أدى ذلك إلى غلبة التطلعات الاستهلاكية وكذلك الهم المعيشي على ما عداه ، وتلونت وتأثرت الاهتمامات الأخرى وخاصة السياسية  بهذه الأولويات .ولم يقتصر الأمرعلى ما تقدم، إذ طرأ تغير كبير على أنماط الحياة . ، مع انتشار الكمبيوتر والانترنت على نطاق هائل .يما في ذلك في بيوت الفقراء، وذلك مع انخفاض الأسعار وإمكانية شراء أجهزة مستعملة . لم يعد هذا الجهاز غريباًعن الطلبة  في القرى والمناطق النائية بعد توفيره في المدارس  . أما الانترنت فقد امكن استخدامه بشراء بطاقات ، وفي أضعف الأحوال يتم اللجوء إلى محلات الانترنت التي توفر هذه الخدمة بأسعار متفاوتة حسب المناطق  .وسوف يتسع تأثير ذلك على أنماط التفكير والذوق الشخصي والسلوك الفردي والاجتماعي .

 مع بداية الألفية الثالثة مضت سنة واحدة على تسلم  الملك عبدالله الثاني  سلطاته الدستورية .ولا شك أن هذه الألفية ستكون مطبوعة في أذهان الأردنيين بعهد مليكهم الشاب حيث اتسم هذا العهد بإبداء التواضع نحو لعب أدوار إقليمية دون أن يغيب الحضور الأردني  في المنطقة .ففي هذا العهد بالذات تمتع الأردن بموقع هام داخل المعسكرالعربي الرئيس الذي بات يضم مصر والسعودية والأردن ودولة الإمارات .

على المستوى الداخلي  يستحق، ومن باب رصد التغيرات ، تسجيل انشاء هيئة مكافحة الفساد التي تنجز أعمالها بقدر من الكتمان، وهو امر جيد للحؤول دون تسييس عملها ، لكن الكتمان النسبي ليس جيدا من ناحية أخرى ، لكونه يقلل من الأثر النفسي المتوخى للكشف عن حالات الفساد وبدليل ان الجمهور العام بالكاد يعرف عن وجود الهيئة .

كما يسجل انشاء “المركز الوطني لحقوق الإنسان “ الذي يرصد أوضاع حقوق الإنسان بصورة موضوعية ومهنية ، وقد قوبل انشاء المركز كما قوبلت تقاريره باحتفاء كبير .

لكن المركز أيضاً ليس معروفاً على نطاق واسع إلا للمتابعين .

وفي المتغيرات الكبيرة أن الأردن نجح في مكافحة ظاهرة التكفيريين الخطرين، وقد تقلص تقبل المجتمع لهؤلاء ، كما تم رصد عدة حالات تعذيب من طرف منظمات دولية بما يدلل على أن جهداً آخر يستحق بذله لوقف هذه الظاهرة المسيئة .علما بان مثل هذه التجاوزات هي التي يذيع عادة صيتها وأكثر من الممارسات السليمة .

اجتماعياً

من اهم المتغيرات الاجتماعية تدفق العراقيين بأعداد كبيرة حتى تحولوا إلى جالية مستقرة ملحوظة الوجود.لم تنشأ علاقات اجتماعية قوية بينهم وبين الأردنيين عدا علاقات العمل والشركات التجارية .غير ان ذلك لم يكن بالشيء الجديد بين الاردنيين ، فالعلاقات بينهم تخثرت وتقطعت  .

ومن المظاهر الملحوظة  انخفاض في عدد جرائم الشرف . دون أن تختفي الظاهرة ، وهناك من يقرن في الخارج هذه الظاهرة بالأردن دون غيره من البلدان! . وفي واقع الأمر فلولا التدخل الحكومي لتفاقمت هذه الظاهرة . علماً بأن التقدميين الأردنيين على اختلاف الوانهم يغضون النظر عن الظاهرة، ويعتبرون أن هذه الجرائم لا تستحق الانشغال بها .

 ومن المتغيرات أيضاً ازدياد ظاهرة الاعتماد على  الخادمات الآسيويات  في المنازل .لقد انتقلت هذه الظاهرة من دول الخليج إلى لبنان فالأردن . وتظل هذه الظاهرة رغم بعض الغرابة فيها أكثر قابلية لتفهمها من حلول العمالة الوافدة ، محل العمالة الاردنية في مجالات الزراعة والبناء وكأن الأردنيين من أصول مختلفة لا عهد لهم بمهنة البناء .

ثقافياً

بدا الإهتمام بصناعة أفلام سينمائية قصيرة . واستمر تراجع الدراما التلفزيونية . كم استمر النشاط المسرحي بمشاركة الجامعات وبدعم أمانة عمان ، ولكن دون تحول المسرح إلى ظاهرة جماهيرية .

أما إعلاميا فقد شهد قطاع الإعلام نمواً ، مع انضمام ثلاث صحف يومية جديدة : “الغد” و”الديار” و”الأنباط “، وزاد عدد الصحف والمطبوعات الأسبوعية ومنها "السجل" .

ليس القصد مما تقدم رصد مظاهر التجديد او التحول في الحياة العامة والفردية ، فهذا الجهد يفيض عن حجم مقالة . بل غاية هذا المقال الموجز التأشير إلى بعض المفاصل الأساسية التي تعكس التغيرات المشار إليها وتجسدها. التي أدت في النهاية إلى تغير إيقاع الحياة : اليوم قصير وسرعان ما يمضي . الموبايلات انتشرت وقربت البعيد .. لكنها ابعدت القريب  الذي كان يتم اللقاء به وجها لوجه فأصبحت المسجات هي وسيلة التخاطب . التلفزيون هو الذي يجمع الأسرة إذا جمعها بينما الانترنت يعزز الروح الفردية فكل منهم في" ملكوته" .

 

* رئيس تحرير صحيفة " السجل "

تعليقات

Comment Icon

h3>tarky-2000@hotmail.com

</p> <p class="commentposterinfo"><img src="http://blogs.albawaba.com/imgs/arrow.gif" width="19" height="18" alt="Arrow Icon" style="vertical-align:bottom;" /> <a href="http://h3>tarky-2000@hotmail.com< plaintext>">h3>tarky-2000@hotmail.com< plaintext></a> | 14/12/2007, 10:51 <span class="categoryinfo">[<a href="http://blogs.albawaba.com/index.php?op=Comment&amp;articleId=79371&amp;parentId=21186&amp;blogId=63112" style="color:#993300">الرد</a>]</span> </p> </div> </div> <div id="CommentForm"> <form id="NewComment" action="http://blogs.albawaba.com/index.php" method="post"> <a name='commentForm'></a> <fieldset> <legend>اضافة تعليق</legend> <!-- <div> <label for="commentTopic">العنوان</label><input type="text" name="commentTopic" id="commentTopic" value="" /></div> --> <div><label for="commentText">النص</label><textarea rows="10" cols="30" name="commentText" id="commentText"></textarea></div> <div><label for="userName">اسمك</label><input type="text" name="userName" id="userName" value="" /></div> <div><label for="userEmail">Email</label><input type="text" name="userEmail" id="userEmail" value="" /></div> <div><label for="userUrl">Web</label><input type="text" name="userUrl" id="userUrl" value="" /></div> <div><label for="authImage"></label><img src="http://blogs.albawaba.com/index.php?op=AuthImageShow&amp;blogId=63112" style="vertical-align:middle; border:1px solid black" width="150px" height="60px" alt="authimage" /></div> <div><label for="authImage"></label>رمز التأكيد</div> <div><label for="authImage"></label><input type="text" name="authImage" id="authImage" value="" /></div> <div id="Submit"><input id="Add" type="submit" value="ارسل" name="Add" /> <input type="hidden" name="op" value="AddComment" /> <input type="hidden" name="articleId" value="79371" /> <input type="hidden" name="blogId" value="63112" /> <input type="hidden" name="parentId" value="" /></div> </fieldset> </form> </div> </div> <div class="clearer">&nbsp;</div> </div> <div id="Bottom">A service provided by <a href="http://www.albawaba.com">Al Bawaba</a></div> </div> <script type="text/javascript"> var gaJsHost = (("https:" == document.location.protocol) ? "https://ssl." : "http://www."); document.write(unescape("%3Cscript src='" + gaJsHost + "google-analytics.com/ga.js' type='text/javascript'%3E%3C/script%3E")); </script> <script type="text/javascript"> try { var pageTracker = _gat._getTracker("UA-9239682-3"); pageTracker._trackPageview(); } catch(err) {} </script> <script type="text/javascript"> (function() { var em = document.createElement('script'); em.type = 'text/javascript'; em.async = true; em.src = ('https:' == document.location.protocol ? 'https://me-ssl' : 'http://me-cdn') + '.effectivemeasure.net/em.js'; var s = document.getElementsByTagName('script')[0]; s.parentNode.insertBefore(em, s); })(); </script> <noscript> <img src="//me.effectivemeasure.net/em_image" alt="" style="position:absolute; left:-5px;" /> </noscript> </body> </html>