07 كانون اول, 2007
القضية الفلسطينية مسألة أميركية ! محمود الريماوي*
بقليل من التفحص لمجريات محفل انابولس وما تلاه ، فإنه يمكن الاستخلاص بغير عناء أن القضية الفلسطينية لم تعد وطنية فلسطينية ولا قومية عربية ، ولا كونية دولية ، بل باتت قضية اميركية يتولى القطب الدولي الذي ما زال أوحد رعايتها وتكييفها حسب هواه ووفق العلاقة الاوثق من استراتيجية مع دولة الاحتلال .
بيان ذلك أن الأطراف المعنية جميعها التي شاركت في ذلك اللقاء في عاصمة ولاية ميرلاند قد وافقت ضمنياً وفعلياً على هذه المقاربة التي لم تكن بنت ساعتها ، بل جاءت تتويجاً لتراكم طويل ابتدأ عل الأقل منذ بدء الألفية الثالثة ، مع تبوأ كل من جورج بوش الابن وإرييل شارون للسلطة في كل من واشنطن وتل أبيب .
لقد تم منذ ذاك تهميش القضية وإقصاء الأطراف الدوليين وبالذات روسيا والاتحاد الأوروبي (الصين أقصت نفسها بنفسها لحساباتها الخاصة ) . وترافق ذلك مع تجريد حملة تصفية وحشية للمجتمع الفلسطيني ولمؤسسات ومرافق السلطة.وتم تظهير وتسييد البعد الأمني للقضية ، ووضع هذا البعد تحت عنوان "محاربة الإرهاب في العالم" فيما الهدف الأصلي والأصيل هو تقويض البنى التحتية، وتشظية الكتلة البشرية للكيان الفلسطيني الناشىء . هذا التوجه الجذري لم يجد له ما يقابله على الجانب الفلسطيني والعربي ،سوى إبداء مواقف دفاعية واعتذارية ، وترديد المبادىء العامة للسلام الموعود ، وإطلاق المناشدات وتحريك دبلوماسية تقليدية . وحين كان يتم التماس فاعلية ما أو توازنا ما كان يتم الجنوح إلى عمليات تفجيرية ضد مدنيين ، بدل التركيز على استهداف جنود الاحتلال ومستوطنيه أو مواقع عسكرية وأمنية ، وإطلاق حملة منظمة وشاملة في الوقت ذاته ضد استهداف العدو لمدنيين ومرافق مدنية .
عربيا فقد بذلت جهود غير منكورة ، لمواجهة حلف واشنطن تل أبيب ومفاعيل هذا الحلف غير المقدس ( يسبغون عليه مع ذلك طابعاُ دينياً زائفاً : مسيحياً يهودياً ) وشهدت علاقات أطراف عربية بإدارة بوش الابن بعض مراحل الفتور وحتى التوتر نتيجة السياسية الأميركية الملتوية وغير النزيهة .غير أن الأمر لم يصل الى شكل من أشكال المواجهة السياسية ولم يرتق إلى ما تتمتع به سياسة ذلك الحلف من جذرية واستدامة .
لقد كان للمأزق الأميركي في العراق وهزيمة تل أبيب في حرب تموز( يستذكر المرء انتقادات واشنطن العلنية لمستوى أداء جيش الاحتلال في تلك الحرب) ، والسعي لتطويق النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة ، فضل دفع إدارة بوش لإعادة الاهتمام بالمسيرة السياسية وخاصة إزاء لب الصراع . غير أن هذه الإدارة وهي تردد دون انقطاع رؤيتها لحل الدولتين ، لم تتقدم سوى بصورة طفيفة نحو الإقرار بالحق الفلسطيني في دولة مستقلة على الأراضي المحتلة منذ العام 1967 . فماهية الدولة الموعودة وحدودها تظل رهن التفاوض الثنائي بين طرفين يغيب عنهما التكافؤ ، وفي ظل تمسك الطرف المحتل برؤاه الاستراتيجية وحديثه الدائم عما يسميه " تنازلات مؤلمة ". مع قدر كبير من التدليس في الحديث عن تأيد قيام دولة للجانب الآخر ، وتفادي الإشارة الى أي "شبهة " سيادة لتلك الدولة العتيدة .
يسترعي الانتباه في غمرة انفضاض محفل أنابولس ما أقدمت عيه إدارة بوش من تعيين القائد السابق لحلف شمال الاطلسي الجنرال جيمس جومز لمهمة منسق أمني في الأراضي المحتلة لضمان تنفيذ "خريطة الطريق" . ذلك يؤكد أن البعد الأمني ما زال في الصدارة ومعقد الاهتمام . وقد كان يمكن التعويل على هذه القرار ، لو أن الأمر ترافق مع تعيين مبعوث للسلام أو موفد سياسي يكفل السير نحو تسوية جدية ، ويتمتع بمرجعية دولية : لدى مجلس الأمن مثلا.لكن ذلك لم يحدث حتى الآن .ولعله لن يحدث خلال الأمد المنظور، مع التسليم الفلسطيني والعربي بأن أوراق اللعبة هي بيد واشنطن مائة بالمائة وليس تسعة وتتسعون بالمائة كما كان يجري الترديد سابقا.
أما الحديث عن جدول زمني ينتتهي مع اختتام العام المقبل وعملياً مع انتهاء ولاية بوش، فيظل غير ملزم رغم ما يبدو من توافق عليه. فقد سارع إيهود أولمرت بعد انفضاض الاجتماع للتشكيك بذلك الجدول ، والتقليل من أهميته عبر تصريح لإذاعة أميركية.فبالنسبة لهم في تل أبيب فإنه يمكن المسارعة في استئناف التفاوض المتوقف منذ سبع سنوات ، لكنهم يتفادون أي تقييد زمني لانتهاء جولات التفاوض كيما يكون بوسعهم تعزيز وقائع استيطانية وعسكرية إضافية على الأرض المحتلة .
يجري الآن التحضير لاستصدار قرار من مجلس الأمن يزكي نتائج الاجتماع ويمنحها مضموناً دوليا .الأغلب أن تل أبيب سوف تبذل كل ما تملك يمينها لتجنب ذلك، من إجل إطفاء أية مرجعية دولية. فإذا أخفقت في ذلك فلسوف تسعى إلى تفريغ القرار المنتظر من أية تقييدات أو ضوابط ملزمة، كي تبقى مطلقة اليدين في تقرير وجهة المفاوضات والإبقاء عليها ثنائية حصراً دون أية مرجعية أو حتى غطاء دولي .
عسى أن تنشط الدبلوماسية الفلسطينية والعربية لتدارك ذلك ، والإدراك بأن الاشتباك في أروقة المحفل الدولي لا يقل أهمية إن لم يزد عما حدث في انابولس ، وذلك لجهة التأكيد على القرارات السابقة ذات الصلة ، وعلى شمولية التسوية ، وتحديد هدف المفاوضات الثنائية ووضع سقف زمني لها .
* رئيس تحرير صحيفة "السجل"