26 تشرين ثاني, 2007
من يبالي حقاً بالشأن العام ؟ محمود الريماوي*
على المجتمع السياسي بمختلف مكوناته أن يتفحص جيداً ، أسباب ضمور الطابع السياسي لانتخابات المجلس الخامس عشر . جري الحديث عن ضمانات مطلوبة لنزاهة العملية الانتخابية ، لكن الحصيلة في جميع الأحوال سوف لن تتغير كثيراً ، وذلك في ظل ما يمكن احتسابه انسحاباً للنخب من هذا الاستحقاق ترشيحاً وربما تصويتاً .
سوف تبين أية دراسة أو استطلاع إحصائي لاحق ، أن الطبقة الوسطى المثقفة والمتعلمة والمسيسة في العاصمة والمدن الكبيرة للمملكة ،هي الأقل احتفالاً بهذه المناسبة الوطنية مقارنة بالفئات الاجتماعية الأخرى . في بلدان عربية منها مصر يحدث شيء مشابه وهو مما لا يثير التفاؤل. هذه النخب هي الأكثر حديثا وتنظيراً عن الإصلاح الشامل بما فيه السياسي، لكن الكثرة الكاثرة من أعضائها تستثقل وتستكثر القيام بأبسط دور، مثل الانشغال بهذا الاستحقاق والاستعداد للمشاركة به .
لماذا يلوم المرء الفئات الأخرى من كادحين ومهمشين ، إذا لم تبد اهتماما كافيا بهذه المناسبة ، ما دام هناك من يشيع اليأس واللامبالاة ويزهو باستنكافه عن الاهتمام بما يجري ؟ .
الحديث لا يساق عن حالات فردية فممارسة هذا الحق والواجب ، يظل في نهاية الأمر شأناً شخصياً وذاتياً ، فلا يمكن إلزام أحد بالتصويت ، كما سعت إلى ذلك أنظمة شمولية في سياق نهجها القائم على ما لا يحصى من إكراهات على مواطنيها .
الحديث هنا حول ظاهرة ملحوظة في مجتمعنا أكثر من أي وقت مضى . يمكن تفسير الظاهرة بعوامل ودوافع شتى ، وهو ما يحتاج الى تناول مستقل ويفيض عن حدود هذه المقالة . غير أنه لا يمكن تبريرها في النهاية. فادعاء الانشغال العميق بالشأن العام ، لا يتفق مع حالة الانكفاء التي يراد تحويلها إلى قانون وتقليد . أي تثبيتها وتكريسها ومحاولة تعميمها إذا أمكن على الناس .
ومن اللافت أن هذه السلبية الشديدة لدى فئات متنورة ، تلتقي في المحصلة مع دعوات فئات متطرفة هامشية للانسحاب من هذه المناسبة . المتنورون ليسوا متطرفين بل غالبيتهم الغالبة من العقلاء المعتدلين ، لكن مزاجهم كما يبدو متطرف .فحتى من لا يعجبه المترشحين بوسعه لو شاء وضع ورقة بيضاء ، فالمهم هو البرهنة على قدر يسير من الجدية والمسؤولية ، بمعرفة مكان الاقتراع والتوجه إليه مع بقية خلق الله وتحكيم الضمير أمام صندوق الاقتراع ، والاحتكاك والمقصود التماس مع " الجماهير " ، التي يجري الحديث دائماً عنها والنطق باسمها والتعبير عن مصالحها ورؤاها ! .
وفي نهاية المطاف فإن أطراف المجتمع السياسي تتحمل مسؤولية انخفاض منسوب السياسة في هذه الانتخاب ، وعليها الوقوف أمام هذه الحصيلة وعدم قصر الأمر على قانون الصوت الواحد وإراحة الضمير وإخلاء " الذمة " بهذه الطريقة . فالنخب مشغولة بالبزنس والترقي الاجتماعي والاستهلاك وتزجية أوقات الفراغ ، بأكثر من اهتمامها الفعلي بالعمل العام ، إذا كانت تبدي أي اهتمام به يتعدى حديث السهرات والاستعراضات الثقافية ، وتشبيك العلاقات مع أصحاب النفوذ في القطاعين الخاص والعام .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
mdrimawi@yahoo.com