23 تشرين ثاني, 2007
إعادة اعتبار متأخرة
محمود الريماوي
يعاد الاعتبار إلى الراحل ياسر عرفات بعد ثلاث سنوات على غيابه بصورة تثير الريب .وكان شارون سمح له بالسفر والعودة لأول مرة بعدما تمنع صهيوني صفيق ومديد . مما يؤشر أنه أي شارون كان على شبه يقين بأن عرفات لن يعود حياً ، بعدما عمل على اغتياله بمفعول لاحق ، وهو ما كان .
يعاد الاعتبار إذن هذه الأيام للراحل بعدما كان تعرض ، لما لا يحصى من حملات من أطراف عدة تندرج معظمها في ما يعرف بقوى ممانعة. على أنه يسترعي الانتباه أن الإنصاف المتأخر لا يرتب على أصحابه أية تداعيات : فهم يمتدحون من بات في دار الحق ، لكنهم لا يقدمون على أي نقد لمواقف عرمرمية سابقة قيل فيها ضد الرجل ما لم يقله مالك في الخمر. فالنقد الذاتي إمارة على الضعف وهم : منصفو اليوم ، أقوياء . فيما ذاكرة "الجماهير " ضعيفة كما يتصورون.
خلافهم مع الكيانية الوطنية التي أرساها عرفات، مستمر. فهذه الكيانية "مشبوهة " لمجرد نزوعها إلى إحراز الحرية وإقامة دولة مستقلة ، فالفلسطيني الجيد كما اللبناني الجيد والعراقي الجيد، يتعين في عُرفهم أن ينزع إلى كيان غير مستقل بل ملتحق بغيره ، وهي غير مقبولة لأنها لا تتمسك بقوالب أيديولوجية تستهوي المعترضين ، ويديمون تردادها بمناسبة وغير مناسبة كتعاويذ سحرية .
لم يكن عرفات بغير أخطاء بل ارتكب أخطاء جسيمة: الفردية في اتخاذ القرارات ، غض النظر عن الفساد ،التهور في الزج بمنظمة التحرير في نزاعات أهلية في كل من لبنان والأردن،عدم اتخاذ موقف موضوعي من أزمة احتلال الكويت والانسياق لإعجاب مضمر بالرئيس العراقي الراحل. غير أنه في الوقت الذي كان يسعى لتصحيح بعض أخطائه ، ونجح جزئياً في ذلك قبل رحيله ، فإنه نجح على الدوام نجاحاً أكبر في فرض القضية الفلسطينية كقضية تحررية على صدارة جدول الأعمال الإقليمية والدولية . والكفاح الوطني المعاصر لشعبه يظل يقترن باسمه خصوصاً ، إلى جانب كوكبة من الرموز والقادة ، علاوة على آلاف الشهداء الذين باتوا مجهولي الهوية والاسم .
ونجح قبل رحيله في التعامل مع الاحتلال بصورة صراعية ، رغم بعض تصرفاته المستغربة في مجاملة إسرائيليين ، وهو أي صموده ما تجلى في المفاوضات الشاقة التي خاضها معهم في كامب ديفيد وطابا ورفض خلالها التنازل عن ثلاثة بالمئة من الأراضي المحتلة ،كما رفض عرضاً بمليارات الدولارات لقبول هذه الحل من قبل الراعي الأميركي. وذلك يختلف اختلافاً بيناً عن الأسلوب البيروقراطي الذي يتبعه محمود عباس الذين يراهن على إفحام الإسرئيليين في المناقشات ، كسبيل لإحراز حل عادل ، دون اتباع أية وسيلة صراعية بما في ذلك العمل الشعبي والكفاح المدني ! .
لقد أرسى الراحل خلال ذلك مستوى مقبولاً لعمل ائتلافي داخلي، قياساً بالوضع العربي. وظل الاقتتال في عهده من المحرمات التي لا يجرؤ أحد على الانزلاق نحوها.الأمر الذي أسهم في فرض الاحترام والتعاطف مع قضية الشعب المكافح. ومع ذلك فقد تم تجريد حرب إعلامية شعواء على الرجل طيلة عقدين وأكثر،من قوى اختارت لنفسها احتكار الصواب القومي، سعياً لتحقيق غايات غير قومية.بعض هذه القوى هي التي تترحم على الرجل هذه الأيام ، وتجزل له عاطر الثناء .
من المفارقات أن حركة حماس مثلا التي تحمل مشروعاً فوق وطني عابر للحدود وللقارات والقوميات ، قد انضمت عبر تصريحات متفرقة لبعض قياداتها لمسلسل امتداح الرجل ، رغم أنها وقفت منذ البدء وعلى الدوام ضد مشروعه التحرري ، مرة باسم تعزيز العقيدة الإيمانية في النفوس وبناء مجتمع صالح كأولوية سابقة على الكفاح الوطني ، ومرة لاحقة باسم أولوية الانضواء في إطار إقليمي لقوى مجاهدة وممانعة ، بدلاً من بناء إطار ائتلافي داخلي أولاً . .غير أن امتداحها للقائد المؤسس، سرعان ما تبينت جديته وصدقيته مع إطلاق النيران الحية دون وجل على عشرات الآلاف من المحتفلين في غزة بذكراه ، مما أدى لسقوط ثمانية شهداء وعدد آخر من الجرحى .
ليس مطلوباً تصنيم أحد ولا عبادة أشخاص ، بل المطلوب استخلاص الدروس الصائبة من سير الراحلين الكبار وتفحص أوجه جدارتهم وريادتهم ، وإدراج الثناء عليهم في سياق إنصاف دورهم التاريخي ، مع ضرورة تفادي أخطائهم ، والبناء على إنجازات سابقة مهما بدت متواضعة . ذلك أن العدو في سلوكه وفي استهدافه لشخص الراحل الكبير : حصار مقره ثم تسميمه أو التسبب بإصابته بالإيدز على ما يؤكد طبيبه أشرف الكردي ، فإنه أي العدو يدرك مدى أهمية تلك الإنجازات، بما لها من صفة تأسيسية في شق الطريق لتحول تاريخي، وهو ما يفسر ازدياد الوحشية الصهيونية ، وانفتاح الشهية على المزيد من اللصوصية والتوسع بعد غياب الراحل لكبير، والاستخفاف المتزايد بالسلطة ومشروعها السياسي .
في جميع الأحوال فإن حلول ذكرى هذا القائد في هذا التوقيت ، ينبغي أن يكون مرشدا للسلطة وهي على أعتاب الدخول في مواجهة سياسية واشتباك تفاوضي مع عدوها . لقد كان محمود عباس في عداد الوفد المفاوض في كامب ديفيد آنذاك إلى جانب عرفات . عليه استلهام سيرة الرجل في الثبات والاحتكام إلى شعبه والاستقواء به، كما كان يفعل عرفات بحديثه الدائم عن "شعب الجبارين ". الدبلوماسية مفيدة وواجبة ، شريطة الاتكاء على إرادة سياسية حازمة والإيمان بالشعب وإطلاق قواه وبعدئذ مخاطبة الشعوب الشقيقة التي شكلت اكبر رافد دعم وتضامن فعلي على مدى عقود .
mdrimawi@yahoo.com