20 تشرين ثاني, 2007
اعتراف واحد لا يكفي !
محمود الريماوي
يريد إسرائيليون دولتهم المقامة على أرض فلسطين دولة فوق الدول، و يريدون أمتهم رغم أنها تحت التكوين أمة فوق الأمم .
ليس ذلك من باب الهجاء ، فأسباب هجاء هذه الدولة تعز على الحصر ، وهي تتردد على ألسنة كثرة كاثرة ،وتجهر بها أصوات شجاعة في الغرب وحتى داخل المجتمع الاسرائيلي ، الذي تريد المؤسسة الحاكمة تعبئته على الدوام تعبئة عنصرية وغرائزية .
مع توقيع اتفاق اوسلو عام 1993 جرى الطلب من الجانب الفلسطيتي المفاوض الاعتراف ليس بالدولة الاسرائيلية القائمة،بل الاعتراف ب" حق اسرائيل في الوجود " . وكان لهم ما أرادوا لاعتقاد المفاوض الفلسطيني آنذاك أن المسألة " لا تفرق وكله اعتراف " !. لقد تم الأخذ بهذا الاعتراف المتبادل مع منظمة التحرير ، دون ربطه باعتراف مسبق بدولة فلسطينية مقبلة أو حتى بحق شعب فلسطين في الوجود ، على غرار حق الدولة العبرية في الوجود .
هذه الصيغة غير جارية في الاعترافات بين الدول، ومع ذلك أصر المفاوضون الاسرائيليون على ابتداعها وفرضها ، كي يكون واجباً على المشردين أن يتشردوا ويخلوا الأرض لمستوطنين يهود تخلوا عن البلد الأم والمجتمع الأصلي! .
هذه المرة يريد السادة الحاكمون في تل أبيب اعترافاً آخر.فإذا كان الاعتراف بين الدول والشعوب يتم لمرة واحدة وينقضي الأمر، فالدولة العبرية باعتبارها دولة فوق الدول فإنها تتطلب أكثر من اعتراف واحد بها.يريدون هذه المرة الاعتراف ب"يهودية دولتهم".وهو مطلب غريب فالدول لا تشترط إقرارا بدينها من الآخرين . غير أن هذا المطلب الشاذ يخفي هدفا سياسيا يكمن بالتجريد الضمني للمواطنين العرب في هذه الدولة ( نحو ربع مليون نسمة ) من حقوقهم باعتبارهم ليسوا يهوداً . وبهذا فإن هذا الهدف يتجه لتصفية وقطع روابط هؤلاء بأرضهم والكيان القائم عليها ، بما يهيء لترحيلهم إلى دولة ما مرشحة للقيام في " أجزاء من الضفة الغربية ".وبدل أن يعود لاجئون إلى ديارهم التي شردوا منها في العام 1948 تتم " عودة " أبناء الناصرة وصفد ويافا وحيفا واللد والرملة والجليل والنقب وشفا عمرو حيث يرابطون على أرضهم هناك .. إلى الضفة الغربية ! .
ومع محاولات إدخال مفاوضات مزمعة في دوامة "خريطة الطريق" التي سبق لهم أن نقضوها وتم تجاوز جدولها الزمني، فالرؤية الاسرائيلية تتجه لانتزاع مكاسب معنوية هائلة من قبيل دفع الفلسطينيين للاعتذار عن وجودهم على أرض فلسطين التاريخية لآلاف السنين . وفتح الباب أمام ترحيل من تبقى منهم . وقد أجاد المفاوض صائب عريقات بالقول "إن خريطة الطريق لم تتضمن حديثا عن أديان " . ومن المهم التمسك بهذا الموقف ،ورفض المناورات الاسرائيلية القائمة على محاولة حرف المفاوضات عن مجراها والسعي لانتزاع تنازل جوهري، فإن تحقق ذلك فهو جيد جداً بالنسبة لهم. وإن لم يتم فلا بأس من تبديد الوقت وتجاهل القضايا الأساس موضع الصراع ومحل البحث .
تبلغ الصفاقة حد الإدعاء بأن مطلب الاعتراف بيهودية دولتم هو أساس للمفاوضات ! علماً أن كل القرارات الدولية ذات العلاقة ، كذلك الاتفاقيات السابقة المبرمة لم تتطرق لهذا الأمر .
ذلك يدلل على صعوبة ما ينتظر المفاوض الفلسطيني، من مناورات سقيمة يتخصص بها الجانب الآخر . وهو ما يتطلب تصليب الموقف الصائب حتى الآن والتمسك به. مع ملاحظة أن العالم لا يصغي فقط للموقف الصحيح ، بقدر ما يأخذ في الحسبان مدى صلابة الإرادة السياسة التي تقف وراءه .
من المهم التوقف عن الأداء البيرقراطي في استقبال مبعوثين وقناصل والسفر الدائم إلى الخارج ،والتوجه للاتصال بالناس وممثليهم في القدس مثلاً، حتى تصبح المفاوضات قضية وطنية بالفعل يشاركون ويتمسكون بها وبمحدداتها ويدعمون المفاوض .
mdrimawi@yahoo.com