18 تشرين ثاني, 2007
ضغوط وعروض
محمود الريماوي
تذكر صحيفة اسرائيلية أن أولمرت يعرض على دمشق تخليه عن الجولان مقابل تخلي سوريا عن علاقاتها بحماس وإيران وحزب الله . ليس معلوماً إذا كان ما نشرته يديعوت أحرونوت هو مجرد تسريب يستخدم كبالون اختبار ، أم أنه يعكس توجها على قدر من الجدية . مصادر رئيس حكومة الاحتلال ألقت ظلالاً من الشك على ما نشر ، دون أن تلجأ إلى نفيه بوضوح .
كانت تل أبيب قد دعت .. حثت دمشق قبل أيام على المشاركة في مؤتمر أنابولس المزمع ، وتمسكت دمشق بموقفها بضرورة طرح قضية الجولان في اللقاء ، وقد سربت أوساط أميركية بأن هضبة الجولان سوف يتم ذكرها في الاجتماع ! فيما ذكرت أوساط أخرى في واشنطن الاستعداد لعقد لقاء لاحق خلال وقت قصير لتهيئة الأجواء لاستئناف التفاوض على المسار السوري .
تعطي تل أبيب كما هو واضح إشارات متناقضة ، فمواقفها "المشجعة" الأخيرة جاءت بعد الغارة التي شنتها على الأراضي السورية ، وبضوء اخضر أميركي كما هو جلي بدليل التصريحات الأميركية عقب الغارة التي سوغتها بادعاء وجود موقع نووي مفترض . مع ذلك فإن أبجديات الصراع والتسوية في منطقتنا تفيد أن الاحتلال الاسرائيلي يستخدم الحرب كوسيلة تفاوضية ، ويستثمرها من أجل إشاعة أجواء تفاوضية مواتية له . كما حدث في مؤتمر مدريد بعد حرب عاصفة الصحراء التي تم فيها استعادة الكويت . وقد شاركت سوريا من جانبها مشاركة رمزية في تلك الحرب كما شاركت بصورة كاملة في مؤتمر مدريد . وحدث أن تم توقيع اتفاق أوسلو بعد الانتفاضة الأولى : انتفاضة الحجارة وما جوبهت به من قمع أيام رابين ( لا يقارن بوحشية شارون وأولمرت في استئصال الانتفاضة الثانية ) .
في جميع الأحوال فإن التقرب الاسرائيلي اللفظي من دمشق ، يعكس خليطاً من التكتيكات والمصالح الاستراتيجية .في التكتيك هناك استخدام للعصا والجزرة : الغارة وعروض التفاوض ، وكذلك محاولة الضغط على الجانب الفلسطيني لانتزاع تنازلات منه قبل وخلال وبعد لقاء الخريف ، وذلك بالإيحاء أن المسار الفلسطيني قابل للتجميد مجدداً لمصلحة مسار آخر.
وفي المصالح الاستراتيجية فهناك حاجة للاحتلال لنزع عامل حزب الله وحماس وعزل إيران ، ضمن الحاجة لمقاومة مد ديني ، يحارب إسرائيل دينياً بمثل ما تحارب به هذه العرب كدولة يهودية تقاتل غير اليهود وتسلب منهم أراضيهم .
لكنه ليس سراً أن دمشق تتبع سياسة تجميع الأوراق ، التي دشنها الرئيس الراحل حافظ الأسد وهو ما يفسر التحالف الناشىء بين دمشق العلمانية التي تناوىء التيار الإسلامي المحلي أشد المناوأة ، وبين منظمات ذات توجه ديني وجمهورية إسلامية في طهران . تجميع الأوراق السياسية يرمي أساساً للضغط على تل أبيب لإعادة الجولان المحتل . فإذا ما تم ضمان إعادتها فلا يعني ذلك أوتوماتيكياً التخلي عن هذا التحالف ، ولكنه يعني على الأقل إعادة النظر في الحسابات وفي المعادلات ، وهو ما يتطلب من أطراف كحماس وحزب الله التكيف لا إلقاء سلاحها بالضرورة .
هناك إذن في المشهد الإسرائيلي مزيج من المناورات والضغوط والعروض معاً على دمشق ، التي تتقن بدورها الحسابات دون مساعدة الكمبيوتر والآلات الحاسبة ، وسوف تجد طريقة للتعامل مع مفردات هذا المشهد المركب .
mdeimawi@yahoo.com