16 تشرين ثاني, 2007
| البرادعي يحابي من؟ .................. محمود الريماوي |
| محمود الريماوي
لو كان العرب يملكون أمرهم لكانوا احتجوا على تقاعس محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعدم تحركه باتجاه فتح الملف النووي “الإسرائيلي”، وكان البرادعي زار تل أبيب قبل نحو عامين وصرح هناك بأن أمر الملف النووي “الإسرائيلي” مرهون باستقرار الوضع السياسي في المنطقة. وهي ذريعة صهيونية يقصد بها حمل الدول العربية والإسلامية، على الاعتراف بالدولة العبرية وهي قائمة على احتلالها للأراضي العربية، وبادعاء أن هذا الاعتراف لا إنهاء الاحتلال هو ما يؤمن الاستقرار لدول وشعوب المنطقة. غير أن التطورات اتجهت على خلاف ذلك بل في اتجاه معاكس. فالدولة العبرية هي التي تحتج هذه الأيام على البرادعي، لأنه ليس متشدداً بصورة كافية ضد الملف النووي الإيراني، وهي تبعاً لهذا الادعاء تدعوه للاستقالة من موقعه. مع الإقرار بأن الملف الإيراني يثير درجة عالية من القلق، فإنه من الواضح أن الدولة العبرية هي في مقدم الدول التي تتشدد حيال هذه القضية، وهو تشدد يوفر ذريعة أخرى للإيرانيين كي يتشددوا بدورهم. وثمة تنسيق بل لجنة أمريكية “إسرائيلية” مهمتها متابعة هذه المسألة. لم تبد واشنطن حتى كتابة هذه المقالة، موقفاً علنياً مماثلاً لموقف تل أبيب حيال البرادعي.غير أن واشنطن ومعها باريس تدرجان المسألة في إطار نزاع سياسي مع طهران، وليس في إطار الحد من انتشار الأسلحة النووية، ودعوة دول العالم للتوقيع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة الفتاكة. ولا يزال خطر مواجهة ما قائماً في المنطقة، وذلك نتيجة تشبث الأطراف بما فيها إيران بمواقفها. وقد يكون ميدان هذه المواجهة هو العراق في المقام الأول، حيث تنازع إيران الولايات المتحدة على النفوذ العسكري والاستخباراتي في هذا البلد المستباح. أما التدخل “الاسرائيلي” في المسألة فهو يرمي لبلوغ هدفين معاً: الأول تأليب واشنطن على خوض مواجهة مع إيران وبمساهمة عسكرية وتقنية من تل ابيب. والهدف الثاني هو التغطية على وجود منشأة وأسلحة نووية “إسرائيلية”، ودفع العالم لاحتساب الكيان كعضو في النادي النووي الدولي، كما هو حال الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، وبالتالي استمرار الصمت والتواطؤ عملياً لإبقاء الملف “الإسرائيلي” بعيداً عن دائرة الضوء. الهدف الثاني متحقق بالفعل. مما يشكل تحدياً للعرب قبل إيران وأية دولة أخرى في عالمنا.غير أن بإمكان العرب نقضه بدفع العالم لسحب الاعتراف الواقعي ب”حق” الكيان الصهيوني في امتلاك أسلحة دمار شامل. غير أن ذلك الهدف لا يقع على جدول الأعمال العربية، وإن كانت تصدر تصريحات متباعدة من هذه الدولة أو تلك أو من الجامعة العربية حيال هذه المسألة. وقد لوحظ مؤخراً بالمناسبة صدور تصريحات “إسرائيلية” تحذر من إمكانية امتلاك مصر والسعودية لقدرات نووية، فضلاً عن الغارة الشهيرة على الأراضي السورية. وهكذا فإن مشروعات أولية لامتلاك قدرات نووية لأغراض مدنية، تصبح محل انتقاد في تل أبيب، بينما يتم غض النظر عربياً عن وضع امتلاك الطرف الآخر لأسلحة تدميرية غير تقليدية، على جدول الأعمال والاهتمامات السياسية ولسبب غير مفهوم. أما الهدف الأول للتصعيد مع إيران ولدرجة التأليب على مواجهة عسكرية، فهو يخدم أهدافاً فرعية من قبل العمل على حرمان أية دولة من امتلاك أسلحة فتاكة بما يمكن تل أبيب من الانفراد بامتلاكها، ويستذكر المرء هنا قيام مقاتلات “إسرائيلية” في مطلع الثمانينينات بتدمير مفاعل تموز العراقي. ومن الغايات الأخرى خلط الأوراق في المنطقة، ووضع لائحة بالمخاطر والتحديات يتصدرها الملف الإيراني، لا استمرار التوسعية “الإسرائيلية” ولا المنشآت والمفاعلات القائمة في النقب وفي مناطق أخرى. ويغدو الأمر أسوأ مع رفض إيران التفاهم مع الجيران وطمأنتهم، وبذلك فإن هذا التشدد يوفر ذرائع لأطراف مختلفة يسهل استغلالها من الكيان الباغي. غير أن النقمة على المسؤولين الإيرانيين وجدت لها هدفاً سهلاً، بتوجيه النقمة في هذه المرحلة إلى محمد البرادعي، الذي تم استضعافه وكان من قبل قد أقصى منشآت تل أبيب عن جدول أعمال الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فكانت النتيجة أن تل أبيب ردت على ذلك بنزع الصلاحية منه، وتصويره على أنه يحابي الإيرانيين لا “الإسرائيليين”. هذه الحملة من التضليل والتصعيد تعنينا كعرب، فالتسابق النووي الذي أطلقته تل أبيب وبات قائماً بينها وبين طهران، سوف يستخدم الأرض والأجواء العربية ميداناً له، كما أن تبادل التهديدات ومحاولة خلط الأوراق يلحقان الضرر بالعرب، حتى لو لم تقم مواجهة عسكرية سافرة بين إيران وأطراف غربية بإسناد “إسرائيلي”. فذلك يعني أن الآخرين هم من يضعون ويحددون سُلم الأولويات، وهم من يأذنون لأنفسهم بالتسابق على امتلاك أسلحة مدمرة، بينما يوضع التسليح العربي التقليدي دائماً في دائرة الضوء والمتابعة. ويجري الاكتفاء خلال ذلك بالتشديد على أن العرب طلاب سلام. وكأن امتلاك أدوات المنعة، وخوض مواجهات سياسية حازمة، ودفع الآخرين لكي يحسبوا حساباً للكتلة العربية، هو مما يؤذي صورة العرب المسالمين |