14 تشرين ثاني, 2007
اختناقات السير من المسؤول ؟
محمود الريماوي
يرتفع سعر البنزين ويزداد عدد المركبات ، ومع زيادة استهلاك هذه السلعة تزداد الحاجة الحكومية إلى تقليص الدعم . المعادلة تبدو غير منطقية ، لكن هذا هو واقع الحال حتى الآن .
في العام المقبل سوف يتم تحرير أسعار المحروقات بصورة نهائية ، وتزداد معها كلفة تزويد المركبات بالبنزين ، وهو مما يزيد الأعباء على الطبقة الوسطى التي تستخدم السيارات الخاصة بكثافة واعتادت عليها، وعلى نحو يقترب من معدلاته في الدول النفطية . ولعل ذلك من الأسباب البارزة وراء حال التوتر الذي يسود شوارع المدن ، والمرشح للأسف للازدياد ، ومعه ترتفع معدلات التلوث ، واستهلاك الطرقات وتبديد الوقت في الازدحامات ، والبحث المضني عن حلول مرورية ، بما في ذلك شق أنفاق وإشادة جسور للمركبات والمشاة .
كل ذلك يحدث لأن الحكومات المتعاقبة ، لم تلحظ أن هناك مشكلة في سبيلها للتفاقم ، وأن عمان تتحول إلى عاصمة تشكو من اختناقات دائمة ومعها مدن أخرى كإربد والزرقاء والطرقات الخارجية .
لسبب ما ولأمرٍ ما ، جرى تجاهل يكاد يكون متعمداً لتسهيل إنشاء شبكة مواصلات عامة حديثة وشاملة ، كما هو الحال في عواصم الدنيا . جرى الاكتفاء بالشبكة القديمة مع إدخال تحسينات عليها وهي التي تغطي شرق وجنوب العاصمة ، .مع تخصيص أعداد رمزية من مركبات النقل والعام وسيارات السرفيس لشمال وغرب عمان . وبهذا تفاقمت المشكلة في هذه المناطق ،مع تضاعف أعداد المركبات الخاصة واختناق الشوارع بها .
وكان يجري من قبل التذرع بوجود زوار الصيف ومركباتهم ، الآن فإن هذه الحجة تبدو واهية ، فنحن في الخريف وعلى أبواب الشتاء والأزمة لا تقل حدة عما كانت عليه في الصيف . وهي مرشحة لأن تزداد حدة ، بسبب تجاهل الحاجة الماسة لمواصلات عامة .
حتى أن بعض المسؤولين إذا تحدثوا عن هذه المشكلة فهم يومئون إلى سيارات العراقيين ، ويوحون أن المشكلة مفاجئة وغير متوقعة بالنسبة لهم ، وليس هناك من يعترف أن النقص الحاد في وسائل المواصلات العامة ، هو ما دفع الناس دفعاً لامتلاك سيارات خاصة وعلى حساب النفقات الأساسية للأسر . فكيف يمكن مثلا إيصال طفل لمدرسته الحكومية ؟ .
في حديث صحفي نشر بالأمس لمدير النقل العام د. هاشم المساعيد ، قال المدير بين أمور أخرى إن " الناس ما زالت تعزف عن استخدام وسائط النقل العام" . وعليه فإن المشكلة تكمن في الناس وليس في عدم توفر أعداد كافية من هذه الوسائط ، وفي مستوى خدمتها . علماً أن افتقاد هذه الوسائط هو الذي أشاع ثقافة اقتناء سيارات خاصة . هناك وعود بتحديد أوقات لتحرك هذه الوسائط ، مع الإشارة لصعوبة تحقيق ذلك بسبب الازدحامات والاختناقات .
واقع الحال أن المشكلة تركت منذ عشر سنين على الأقل لتتفاقم ، حتى بات من العسير وضع حلول لها ، بسبب اكتظاظ الشوارع والكلفة العالية لتخصيص مساحات لإيواء المركبات . وإذا لم يتم السعي لحلول جدية وعلى جانب من الجذرية ، فلسوف يكون في حكم المستحيل وضع حلول لها مستقبلاً، هذا إذا كان هناك من يفكر بحلول تعيد للشوارع طابعها الجمالي والحضاري ، وتحد من معدلات التلوث ومن توترات الناس ، وترفع عنهم أعباء اقتناء سيارات خاصة، وتقلل الحاجة لتنظيم السير ولاستهلاك الشوارع .
التوسع الملموس في خدمة النقل العام يوفر تلك الأعباء ويحد من الأضرار على البيئة ، ويوفر فرص عمل ، ومع ذلك لا يتم التفكير إلا بحلول جزئية وجانبية ، سرعان ما تفقد فيه هذه الحلول مزاياها .
mdrimawi@yahoo.com