13 تشرين ثاني, 2007
تونس : اتجاهات التغيير
محمود الريماوي
في الذكرى العشرين للتغيير أو التحول في تونس الذي أدى لانتقال السلطة سلميا دون إطلاق رصاصة واحدة أو سفك قطرة دم واحدة ، في هذه الذكرى وهي العشرون في حساب الزمن ، أعلنت السلطات عن الإفراج ( العفو ) عن دفعة جديدة من المعتقلين ، وقد عرف من بين هؤلاء عدد من أعضاء حركة النهضة المحظورة ، وحيث تبقى وراء القضبان أقل من عشرين معتقلاً من أصل خمسمائة جرى إخلاء سبيلهم على دفعات .
الخبر جيد بطبيعة الحال ، علماً بأن المفرج عنهم متهمون بالانتماء لتنظيم محظور ومسلح ،سبق للحكم أن أطلق سراح بعضهم قبل اتهامهم بحيازة أسلحة والاستعداد لاستخدامها . أي أن السلطات أقدمت على إفراجين عنهما .. ولكن مع فارق زمني ليس قصيراً . المأمول الآن إخلاء من تبقوا وبعضهم أمضى نحو خمسة عشر عاماً رهن الاعتقال وبموجب أحكام صادرة بحقهم .
من الملاحظ هنا أن تشدد السلطات إزاء تنظيمات أصولية قد أدى بين ما أدى إليه ، إلى نجاة البلد من عقابيل الحادي عشر من أيلول وما تبعه من تداعيات جسيمة لحقت بالعديد من الدول والمجتمعات . وللسلطات أن تحاجج بأن تشددها هذا ، لم تقتصر نتائجه على الوقاية من تفاعلات ذلك الحدث الرهيب ، فقد أمكن أيضا بفعل هذه السياسة على مدى التسعينيات خصوصاً ، ضمان عدم التأثر بما جرى في البلد المجاور الشقيق الجزائر، الذي شهد أسوأ موجة عنف حصدت أرواح عشرات الآلاف ، علاوة على الأضرار الاقتصادية الجسيمة ، بينما تأثرت بالظاهرة بلدان ومجتمعات مجاورة أخرى .
في السياق نفسه فإن تونس لم تشهد إلا على نطاق ضيق جداً ظاهرة الأفغان العرب الذين عادوا الى بلدانهم ، ليمارس بعضهم الجهاد في غير مكانه وزمانه . والحال أن المتابع يلاحظ ظهور سلفيين تونسيين في العراق أو في مخيم نهر البارد ، أو في هذا البلد الأوروبي أو ذاك ، لكن هؤلاء لا يظهرون في بلدهم بعد أن تم تجفيف ينابيعهم منذ البدء .
هذه نتائج حسية لا يمكن إلا التسليم بها . غير أن الأمر يستحق مزيدا من التأمل والفحص .فقد ظهرت خلال ذلك ظاهرة يمكن تسميتها بأصولية علمانية ، تتطير من مظاهر ورموز الحياة الإسلامية في مجتمع مسلم .ومن ذلك الموقف غير المفهوم من الحجاب .وهو ما كان سائدا وغير مقنع في تركيا ، قبل أن تتطور الأمور لنجاح حزب العدالة والتنمية . عن كل تطرف بما فيه التطرف العلماني يسد الأبواب أمام الحياة الطبيعية ،مع الإقرار بأن تسييس الدين يشكل بدوره تحدياً كبيراً . وهو ما باتت تستشعره السلطات التونسية التي أخذت في السنوات القليلة الماضية تأذن للتعبيرات الدينية بالظهور ، وكما هو الحال في كل المجتمعات المسلمة . بل هناك مشروع قيد الدرس كما نقلت "الحياة" اللندنية ، للسماح بتشكيل حزب ديني وسطي ، رغم أن القوانين السائدة تمنع تشكيل أحزاب على أساس ديني أو عرقي أو على أساس الجنس . وقد يتم السماح لتفادي ذلك بتشكيل تجمع أو تيار فكري بتوجهات دينية .
وبعيداً عن الجوانب القانونية فالمهم هو تمكين المجتمع من التعبير عن تعدديته .فإذا كانت هناك طبقة وسطى عريضة ومدينية ذات توجهات علمانية ، وإذا كانت النساء يتمتعن بقدر كبير من الفرص والحقوق والحضور وهو ما يحسب حقاً لتونس ، كذلك فإن هناك شرائح اجتماعية عريضة أقرب إلى المحافظة ، ومن حقها أن تتمتع بقرص التعبير عن وجودها ورؤاها ، بما لا يمس السلم الأهلي ودستور البلاد والمنحزات التي تحققت ، وبعضها في عهد الراحل بورقيبة الذي يتم الاحتفال بتغييره ، بعدما تقدم في السن آنذاك وبات عاجزاً عن الحكم فانتقلت السلطة إلى رئيس وزرائه ، الرئيس الحالي زين العابدين بن علي . .
mdrimawi@yahoo.com