مدونة محمود الريماوي

« | »

مصر في وقفة مع الذات

مصر في وقفة مع الذات

                                                 محمود الريماوي

تطغى في مصر هذه الأيام الأحاديث حول الاحتقان الاجتماعي ، الناجم عن الصعوبات الاقتصادية الجمة التي يعانيها ملايين المصريين ونسبة كبيرة من هؤلاء يقيمون في القاهرة . حيث تختلط مظاهر الغنى الملحوظ بالفقر المدقع . يدلل مراقبون ومعنيون على ذلك بعودة ظاهرة الإضرابات والاعتصامات العمالية ، وكان من أبرزها مؤخراً إضراب مصانع الغزل والنسيج في المحلة الكبرى ، الذي ترددت أصداؤه في الخارج .

الحديث عن الجانب الاجتماعي الاقتصادي ، طغى على المؤتمر السنوي للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم . ففي بلد كبير كمصر يتعذر الفصل بين الوضع الاقتصادي والمعيشي  وما هو سياسي  . وذلك بسبب ضغط الكثافة السكانية العالية ، ولأن التحولات الاقتصادية ( الخصخصة ) وما رافقها من ارتفاع أكلاف المعيشة قد زادت من أعباء الشرائح الفقيرة العريضة .

نائب أمين عام الحزب جمال مبارك شدد في المؤتمر على أولوية قضية التشغيل وعدالة توزيع الدخل وكل ما يتصل بدعم الفقراء والدور الاجتماعي للدولة . غير أن أمين عام السياسات في الحزب لم يبذل وعودا عاجلة التنفيذ ، فيما اعترف وزراء بأن التحول الاقتصادي لم تصل آثاره الإيجابية إلى عشرين بالمئة من السكان . وهي نسبة تعادل نحو 15 مليوناً من السكان ، وذلك دون حديث رسمي عن الآثار السلبية التي لم تتأخر في الوصول!.

على أي حال فهناك أرقام عن النمو الاقتصادي وتحسن بعض الخدمات ، وسباق مع الزمن لمواجهة التزايد السكاني الذي يبلغ نحو مليون ونصف المليون سنوياً .

المشكلات الصعبة التي تواجهها مصر ، والتي يراها الزائر رأي العين إلى جانب مباهج حياة المصريين ،  هذه المشكلات ليست جديدة فهي تتراكم إذ يتم حل جزء منها فيما يكبر الجزء المتبقي ويؤدي لنشوء مصاعب جديدة كصعوبات السكن ومعدلات الجريمة . ولا يخفى على المراقب أن النزوح للعاصمة من الريف والبلدات ، هو في طليعة المشكلات التي تتولد عنها مشكلات إضافية .وهي مشكلة المشكل في دول العالم الثالث ، وذلك نتيجة التنمية غير المتوازنة وغير الشاملة ، فتركيز الخدمات والمصالح الحكومية والاستثمارات في العاصمة  يجذب وافدين جدداً ويولد ضغطاً متزايداً ، حتى أن المدافن لم تعد تتسع للموتى وإن اتسعت لأحياء للسكن فيها مع تعذر الحصول على سكن أو على شقة.

القاهرة الجميلة الذي ما زالت تجذب الزائرين ، تنوء بمن فيها . وكان الراحل نجيب محفوظ قد اقترح بناء عاصمة جديدة أو ثانية لتخفيف الأحمال عن قاهرة المعز . وكما حدث في دول عديدة مثل باكستان وتركيا والمكسيك وسواها . غير أنه لم يرشح صدى لهذه الدعوة في مدينة كبرى تنوء بساكنيها وزائريها . هذا دون تجاهل مستوى الحياة في الأرياف التي يستمتع ساهرون عرب في متابعة مسلسلات تلفزيونية عنها ، دون أن يقفوا على حجم المصاعب المعيشية لملايين الفلاحين .

الضغط الاجتماعي والاقتصادي المتزايد ، هو لا شك بعض أسباب تقلص الدور المصري إقليمياً ، وذلك نتيجة الانشغال بالوضع الداخلي وتعذر الوقوع على حلول في الأمد القريب وأحيانا المتوسط .وعلى ما يعلم المرء فإن الاستثمارات العربية الخليجية أساساً لا تنقطع عن مصر ، حيث "التماس الرزق عند تزاحم الأقدام " . غير أن الحل يبدأ في الداخل فالدولة المصرية المركزية ما زالت قوية وتتمتع باحتياط عال من العملة الاجنبية ، والمطلوب هو رؤية حلول خلاقة وجريئة من أجل توزيع الأعباء والدخول بصورة أكثر عدالة . ومصر تتوفر على خبرات جمة وليست بحاجة لنصائح من الخارج ، وربما كان ما تحتاجه هو إرادة سياسية بالتشارك مع بقية الفاعلين والشركاء لبدء الخروج من حالة الاحتقان .

mdrimawi@ yahoo.com

                      

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba