08 تشرين ثاني, 2007
حكم سيء ومعارضة أسوأ
محمود الريماوي
كما أن جفاف البيئة والمناخ يهلك الضرع والنسل ، كذلك فإن التصحر السياسي كالذي يتفاقم في بلد مسلم هو باكستان ، يمكن أن يؤدي إلى كوارث تلحق بالبشر وبقية موارد الحياة ، وذلك مع غياب حكم القانون والاحتكام إلى السلطة العارية أو العنف المرسل .
أخر مظاهر هذا التصحر هو قيام السلطات بفرض حالة الطوارىء وتعطيل الدستور وتكميم الصحافة ، وشل عمل المحكمة الدستورية بحجة "تدخلات القضاء ". علما أن الحكمة كانت بصدد النظر في قانونية انتخاب برويز مشرف لرئاسة البلاد فيما هو يتولى قيادة الجيش .
صحف محلية وصفت القرارات بأنها بمثابة "انقلاب ثان" . خاصة أن ما حرى تواكب مع عمليات اعتقال بغير تمييز للمعارضين وأصحاب الرأي .
بناظير بوتو وصفت الإجراءات بأنها "عودة إلى الديكتاتورية " . أما السلطات فاعتبرت انها "أقدمت على ما أقدمت عليه لتجنيب البلاد الانزلاق إلى الانتحار" . والمقصود الحد من تفشي ظاهرة العنف .
هذه الظاهرة موجودة وقائمة وتستحق بالفعل مكافحتها . غير أن الضحية كانت الحياة الديمقراطية الطبيعية وكذلك الدستور . والأصل أن تسن قوانين عبر القنوات الدستورية لمكافحة هذه الظاهرة لا أن يتم تكميم الأفواه بما في ذلك أفواه القضاة والنواب . وان يقترن ذلك بتشكيل ائتلاف سياسي واسع يضم سائر القوى السياسية والاجتماعية النابذة للعنف والمؤمنة بالتداول السلمي للسلطة ، وبمرجعية الدولة التي يستظل بها الجميع . كان وما زال هذا هو التحصين السياسي المطلوب لإخراج البلاد من محنتها .
غير أن العسكر اختاروا الطريق " الأسهل " : فرض الأوامر والطاعة ، ودعوة الجميع للانصياع للسطوة العسكرية . وهو طريق محفوف بكل أنواع المخاطر ، وفي مقدمها منح ذرائع ذهبية لرواد العنف الأهلي ، من أصوليين وزعامات قبلية وسوى هؤلاء .
الراجح للأسف الشديد ان العنف سوف يستشري ، ويذهب ضحيته أبرياء ، فيما سيتقدم رواد العنف باعتبارهم شهداء وضحايا الديمقراطية الغائبة . وسوف يطرح هؤلاء أنفسهم كبديل عن النظام القائم ، رغم أنهم لا يقلوا سوء عنه ، إن لم يكونوا أسوأ ، فهم لا يعترفون بدستور أو قضاء مستقل ولا بتعدد سياسي ولا تنوع ثقافي أو بحرية تعبير. وهم يتبادلون تقديم الذرائع مع النظام العسكري ، فقد دأبوا في الأسابيع الأخيرة على اختطاف جنود ، أما صفحتهم الناصعة الأخيرة فتمثلت بالاستقبال الدموي لبوتو ، العائدة لبلادها من المنفى حيث سقط المئات من القتلى والجرحى الأبرياء ، في عمل انتحاري وسط جموع البشرالمحتشدة .
النظام يزداد سوء ، فيما الجناح الغالب على المعارضة هو أشد سوء من النظام السيء القائم .
بما يدفع نحو التصحر السياسي : فناء الحياة السياسية وقطع صلة الناس بالشأن العام ، ودفعهم للهجرة وذلك هرباً من خيارين أحلاهما مر : إما الامتثال لحكم عسكري لا محل فيه لسيادة القانون وحقوق الإنسان . أو الانصياع لحكم جماعات أصولية وقبلية متطرفة ، تعتبر جرائم القتل بحق الأبرياء والمنافسين السياسيين ، باعتبارها وجهة نظر فكرية و"عقائدية " وحقاً من حقوق هذه الجماعات ! .
وبالنظر إلى تاريخ حافل من الإنقلابات العسكرية في هذا البلد ، واستشراء الظاهرة الأصولية فيه نتيجة التواصل والتكامل مع طالبان والقاعدة ، معطوفاً على البؤس الاجتماعي والاقتصادي ، فإن التوقعات تظل قاتمة في الأمد القريب على الأقل .
mdrimawi@yahoo.com