02 تشرين ثاني, 2007
الصين حاضرة غائبة محمود الريماوي
نجحت الصين في إغراق منطقتنا وسد حاجات أبنائها بالسلع والبضائع والخدمات منذ عقد من الزمن على الأقل ، حتى بات مستوردون ومستهلكون تتوزعهم الرغبات بين اختيار بضاعة صينية وأخرى صينية ، وكانوا من قبل يتوقفون عند سلعة صينية .. وأخرى غير صينية ! .
ومما يسترعي الانتباه أن ذلك وقد بات من وقائع الحياة الجارية ، لكنه ترافق مع غياب دور صيني ملموس في الشرق الأوسط . وكانت الصين حاضرة حلال النصف الثاني من القرن الفائت في أزمات وتحولات المنطقة . سواء عبر الأمم المتحدة أم في تعاون تسليحي أم في نشر ثقافة تحررية . ذلك كله تراجع بصورة ملحوظة باستثناء الدور الدبلوماسي في المنظمة الدولية . حتى أن بكين عينت قبل عامين ممثلاً لها في الشرق الأوسط ، لكنه لم يلبث أن توقف عن أداء مهمته بعد القيام بجولتين متباعدتين ، ودون إبداء أسباب تذكر ،مع ترك المجال فسيحاً وشبه كامل للآخرين من أميركيين وأوربيين وروس ، وقد لوحظ خلال ذلك أن الصين غابت ، عن المشاركة في عضوية اللجنة الرباعية الدولية بشان الشرق الأوسط ، بما جعلها الدولة الوحيدة دائمة العضوية في مجلس الأمن غير الممثلة في اللجنة ، باعتبار أن فرنسا وبريطانيا ممثلتان ضمن عضوية الاتحاد الأوروبي في اللجنة الدولية .
في الزيارة الملكية الهامة لبكين ، دعا جلالة الملك مضيفيه " للاضطلاع بدور أكبر في منطقتنا لأنه ينظر إليكم كوسيط نزيه ، كما أنكم تتمتعون باحترام بالغ في الجزء الذي نعيش فيه من العالم " .
هذه الدعوة تعكس ما يكنه الأردنيون والعرب ، من اهتمام واحترام للصين شعباً وقيادة وموقعاً
ودوراً . ولا شك أن القيادة الصينية وهو تنسج علاقات سياسية واقتصادية مع دول المنطقة، تدرك مدى ما تعانيه الشعوب من أزمة سياسية محتدمة ومستعصية حتى تاريخه ، بفعل الاحتلال الإسرائيلي المتطاول للأراضي العربية منذ أزيد من أربعة عقود ، فضلاً عن تعقيدات وتبعات الاحتلال الأميركي للعراق ، وما واكب ذلك من تفشي ظاهرة التطرف المسلح .
يعيق هذا الواقع الشاذ ليس فقط فرص الاستقرار وبناء السلم العادل في منطقتنا بل له انعكاس على مناطق أخرى في عالمنا . كما يضعف هذا الأمر من فرض النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة ورفاه دول وشعوب المنطقة ، مع ما لذلك من تداعيات على العلاقات مع العالم الخارجي .
لهذه الأسباب ولأسباب أخرى قد تكون أكثر أهمية ، فإن دول وشعوب المنطقة تفتقد حقاً الدور الصيني الذي كان حاضراً ومشعاً من قبل ، فبات خافتاً وغير مرئي أحياناً . حقا إن العالم قد تغير ، وإن للصين أولوياتها في المجال الإقليمي والدولي ، كما لها خططها ومشاريعها للبناء الذاتي والمنعة الداخلية ، غير أن هذا هو حال غالبية دول عالمنا بما فيها الدول الكبرى ، دون أن يعيقها ذلك تلك الدول عن الحضور في مجريات أحداث وتطورات الشرق الأوسط ، وأيا كان الرأي في وجهة وفحوى هذا الحضور.
الأمل أن لا تكون تعقيدات الوضع السياسي هي الدافع وراء " الابتعاد " الصيني ، إذا أن هذه التعقيدات تستحق أن تشكل دافعاً وسببا إضافياً ل"التدخل " ، مما ينسجم مع حرص شعب وقيادة الصين على السهر على الأمن والعدل والسلم في العالم بأسره . وإذ تتمتع بلاد الصين بقدر كبير من الاحترام والتقدير لدى شعوب المنطقة منذ أيام مؤتمر باندونغ على الأقل في منتصف خمسينيات القرن الماضي ، فإن الأنظار تتطلع إليها لتلعب دوراً أكبر يتفق مع مكانتها الرفيعة ومع قدراتها العظيمة .
mdrimawi@yahoo.com