01 تشرين ثاني, 2007
سياسته مريضة وهو مريض أيضاً
محمود الريماوي
أولمرت مريض كما كسف عن ذلك بنفسه ، أما ضحاياه فموتى . ومن نجا من القتل منهم فهو مريض أو جريح أو مصاب بإعاقة جسدية . وبحكم ثقافتهم " الإنسانية " قد لا ينتبه إسرائيليون كثر لهذا الأمر ، غير أن هذا هو واقع الحال . لا يتعاطف عاقل ونزيه مع قاتل ، ولا يصدح بالشماتة والتشفي .ومع ذلك فالراجح أن أولمرت ( 62 عاماً ) سوف يستغل إصابته بسرطان البروتستاتا ، لأغراض سياسية . كأن يحاول إسكات خصومه وإحراجهم ، وأن يتشدد حيال مؤتمر أنابولس باعتبار أن "التنازلات " سوف تؤدي إلى تدهور في صحته المعتلة ..فما دام اللصوص وهم بصحة جيدة ، يعتبرون التخلي عن المسروقات بمثابة "تنازل مؤلم" ، فأي ألم سوف يصيب والحالة هذه مريضهم ؟ .
سوف يحسب للنظام السياسي الإسرائيلي ، شفافيته تجاه مواطنيه اليهود .مما حمل رئيس الحكومة على مفاتحة الرأي العام بالحقيقة ، دونما تردد أو تمويه ، أو اعتبار صحة الزعيم سراً من أسرار الدولة واجبة الكتمان . فمن حق الرأي العام الوقوف على قدرات الزعيم ، المنوطة به مسؤوليات قيادية . لا بأس أن يتعلم المرء من الخصوم والأعداء ، كي يقف على مواطن قوتهم وغلبتهم . وفي واقعة الاعتراف بمرض صعب ، درس لمن أراد استخلاص دروس مفيدة .
بعيدا عن ذلك وفيما كان اولمرت يلقي بيانه القصير لصحفيين ، فقد كانت آلة القتل الإسرائيلية دائرة بلا توقف في الأراضي المحتلة . لا بواكي لهؤلاء سوى ذويهم .أما البيروقراطيون في السلطة الفلسطينية فقد دأبوا على تجاهل إزهاق أرواح أبناء شعبهم . ويتمنى المرء رؤية مسؤول فلسطيني يقوم بواجب العزاء لأسرة شهيد ، أو يعود مصاباً في مشفى . الإسرائيليون وفي مقدمهم المريض أولمرت ، يعتبرون أنهم بأعمال القتل اليومية يقومون بواجبهم تجاه أنفسهم فالإسرائيلي الجيد هو من يقوم بالقتل ، أما العربي الطيب فهو العربي الميت . تقع هذه المقولة غير المكتوبة في صميم العنصرية الصهيونية .وهو ما يفسر شهيتهم المفتوحة على القتل منذ عقود ، وحيث يجري توريث هذه العقيدة من جيل لجيل وبالذات إلى تلاميذ المدارس والجنود . دون نسيان من لا يرتضون بينهم هذه القذارة ويكشفونها بجرأة أخلاقية .
هكذا إذن مع الإعلان عن مرض أولمرت ، يتبين أن زعماء الاحتلال يتعرضون للمرض ، وسوف تمتد لهم ذات يوم يد المنون . تماماً مثل بقية البشر الذين يدبون على الأرض .غير أنهم مع ذلك لا يؤمنون بأنهم متساوون مع غيرهم ، ولا بأن الأغيار متساوون معهم . فكيف إذا كان هؤلاء هم أبناء وأصحاب الأرض المسروقة ؟ .
الراجح أن مرض هذا الشخص ، لن يضع حداً للسياسة المريضة التي يعتنقها وينتهجها ، هو بقية المجموعات الحزبية والمتدينة ، المهووسة المتطرفة في الدولة العبرية الباغية . وخلافاً لبقية البشر فالزعامات الإسرائيلية اليمينية ، تزاد تطرفاً مع الوقوع في المرض ومع التقدم في السن . فيما الأشرار عادة يفيئون إلى بقية باقية إلى ذبالة باقية من إنسانيتهم ، حين يستبد بهم المرض أو تدركهم الشيخوخة ، فيحاولون في ما تبقى لهم من وقت ، التكفير عن ذنوبهم والتعويض عن خطاياهم . أما هذه الزعامات على شاكلة أولمرت فيحدث أن خطاياهم تنمو وتكبر مع تقدمهم في السن .
لا شك أن مرض هذا الشخص والإعلان عنه هو خبر بحد ذاته . بانتظار سماع أخبار جيدة مثل زوال الكابوس الإسرائيلي عن آلاف الأسر الحزينة والثكلى ، وعن الأرض الفلسطينية المقدسة .
mdrimawi@yahoo.com