مدونة محمود الريماوي

« | »

نواة صلبة للمحافظين

نواة صلبة للمحافظين

                                                  محمود الريماوي

ليس معلوماً على وجه الدقة ما هو وجه الخلاف بين علي لاريجاني مسؤول الملف النووي الإيراني وبقية أركان الحكم في طهران ، غير أن التقارير الواردة من هناك تفيد أن الرجل أقل تشدداً من احمدي نجاد والمرجع المرشد خامئني . لم تشفع كما يبدو للرجل جهوده التفاوضية وغير التفاوضية ، فخرج من منظومة الحكم .فيما كان من المقدر

أنه من الوجوه الشابة التي ينتظرها الكثير في المستقبل .

المحافظون المتشددون في طهران وفي الحوزات لم يتركوا مزيدا لمستزيد ، فلا يظهر على يمينهم أحد . خلافاً للدولة العبرية مثلا حيث المعارضون هم على يمين الطاقم الحاكم . وهو ما يحمل على التفاؤل إزاء الجارة الكبيرة المسلمة .فالبديل هو دائما الأقل تشددا من رفسنجاني الذي سبق أن ترشح لرئاسة الجمهورية الى محمد خاتمي الذي فاز بالرئاسة لمرتين ، الى لاريجاني الرمز الصاعد الذي لم يستكمل صعوده . هناك نواة صلبة يراد لها أن تزداد تصلبا داخل النظام وتضم عددا من كبار رجال الدين وقيادات عسكرية .وتتولى هذه النواة إغلاق الطريق أمام أي تغيير من داخل النظام .هكذا كان عليه الحال في تركيا مع مجلس الأمن القومي الذي يسيطر عليه قادة الجيش ، غير أن هذا المجلس الذي كان يسيطر على كل شيء ، وفي ظل زعامات حزبية وسياسية تطاردها شبهات الفساد القوية ، لم يلبث أن ارتضى بالتغيير مع صعود حزب العدالة والتنمية .

في إيران الوضع يختلف ، النواة الصلبة تسيطر على قيادة القوات المسلحة والجهاز القضائي والإذاعة والتلفزيون ، وهو ما أدى في السابق إلى إفشال متعمد ومنهجي لتجربة الإصلاحي خاتمي ، مع تقييد وشل  صلاحياته . الآن توضع عقبات أمام رئيس مجلس الأمن القومي تدفعه للاستقالة ( لاريجاني ) وتهمته أنه يريد تجنيب بلاده مواجهة دائمة مع مجلس الأمن  ، ويسعى للتفاهم مع الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية .

والهدف هو بث رسالة وإرساء واقع يفيد أن خيارات النظام ، غير قابلة ليس للتغيير فقط بل غير قابلة للتعديل أيضا من طرف الشركاء . وهذا هو حال الأنظمة الشمولية التي تزداد مع الأيام تمركزاً حول أشخاص ومراكز قوى بعينها وتغلق أبواب التطوير الداخلي . وكما خدث داخل الاتحاد السوفياتي ودول المعسكر الاشتراكي ، مما أدى في النتيجة إلى انفضاض شعبي ، ولتظهير وتكبير مزايا النظام الآخر في عيون الرأي العام .

ينزع أهل الحكم من النواة الصلبة في طهران إلى إيلاء كل الاهتمام للبرنامج النووي والمراهنة عليه لتعظيم صورة وموقع إيران في المنطقة والعالم . غير أن ذلك على أهميته الاستثنائية لا يكفي . فالاتحاد السوفياتي كان نووياً وكذلك كوريا الشمالية ، وأخيراً باكستان المهددة بالفوضى . القوة العارية من الأركان الدستورية للدولة ،  ومن بناء دولة القانون والتداول السلمي على السلطة ، لا تفيد على المدى البعيد .

 النموذج الشاذ يتمثل في الدولة العبرية الباغية ، التي أقامت دولة قانون وتداول سلمي للسلطة لليهود  ، واعتنقت نهجا توسعياً وعنصرياً حيال غير اليهود من الجيران وجيران الجيران . وحتى هذا النموذج لا يبدو مغرياً للنظام الإيراني ، الذي يتشدد حيال الإيرانيين وغير الإيرانيين على السواء ، بحجة أنه سيطعمهم عما قريب مجداً نووياً ، فلا حاجة بهم للحرية والمشاركة والتعددية السياسية والثقافية .

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba