28 تشرين اول, 2007
بلد متروك للأعاصير
محمود الريماوي
من المؤسف أن اهتمام العالم الخارجي بقضايا منطقتنا ، أكبر من انشغال دول وأحيانا شعوب المنطقة بهذه القضايا ، التي هي قضاياهم . على سبيل المثال فإن اهل المشرق لا يبدون تجاهلاً لقضايا المغرب العربي بل حتى لشؤون بلد قريب مثل السودان . هناك اهتمام متقطع: ليبي ومصري ، واهتمام موسمي من الجامعة العربية ، وليس أكثر من ذلك . المسؤولية مشتركة عن ذلك بين السودانيين وأشقائهم .
في أوقات سابقة جرى تجاهل أوضاع موريتانيا باستثناء بعض الدعم والتبرعات المالية ، ومحاولات لتبعيث الحياة السياسية في ذلك البلد من طرف النظام العراقي السابق . وفي النهاية ومع أهمية التجربة الديمقراطية هناك ، فإن الولايات وفرنسا إضافة للدولة العبرية هي الأطراف التي تنسج أوثق العلاقات مع هذا البلد المغاربي الصحراوي والزاخر بالثروات المعدنية .
السودان ليس عرضة لمثل هذه "التحولات " ، غير أنه مهدد إما بالتمزيق أو الاستنزاف الدائم . وليست الأطراف الخارجية الطامعة هي وحدها المسؤولة عن تأزم الوضع بل كذلك ، إن لم تكن أولاً الأطراف المحلية ذاتها من حكم ومعارضة ، من شماليين وجنوبيين ومن زعامات متمردة في الشرق (إقليم دارفور ) .
هذا البلد الكبير في وادي النيل ، والذي قلما يقصده أحد من أبناء مشرقنا للزيارة والسياحة ،يعاني من تجدد الأزمة بين الشمال والجنوب بين الحكومة المركزية و"الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي سبق أن أسسها جون قرنق . كان الطرفان اتفقا قبل اكثر من ثلاث سنوات على تقاسم السلطة والثروة وعلى مشاركة الجنوبيين في الحكم وعلى إجراء استفتاء لأهل الجنوب ( معظمهم من أصول غير عربية ويدينون إما بالمسيحية ، أو بأديان محلية غير توحيدية ) .
منذ بضعة أسابيع تتحدث الحركة عن تحشدات للجيش السوداني على حدود الجنوب ، فيما تتحدث الخرطوم في المقابل عن تحشدات لقوات الحركة الشعبية ، التي سبق أن قاتلت الحكومة المركزية لأكثر من ربع قرن ، وسقط في المواجهات المديدة نحو مليوني سوداني . فيما تتحدث الحركة عن إخلال الخرطوم ببنود اتفاقية السلام وعلى الأخص في استغلال الثروة النفطية في الشمال والجنوب : زهاء نصف برميل يومياً . تجري مباحثات بين الجانبين يقودها سيلفا كير نائب رئيس الجمهورية مع المسؤولين السودانيين ، لكن هذه اللقاءات تنقصها كما هو بادٍ روح الثقة ، وتخلو من تمسك ظاهر بوجوب استعادة الوفاق بين الطرفين .
في هذه الأثناء تتجه الأنظار الى لقاء يعقد في سرت الليبية السبت المقبل 27 تشرين الجاري ، بين المتمردين في دارفور وحكومة الخرطوم وذلك بمبادرة ليبية مصرية .واستعداداً لهذا الحدث أعلنت الخرطوم ، أنها ستوقف إطلاق النار في الإقليم من جانب واحد بمناسبة انعقاد اللقاء .هذا يعني أن هناك مواجهات مسلحة دائرة ودون متابعة إعلامية تذكر . وفي الوقت نفسه لم تتأكد مشاركة جميع منظمات التمرد في اللقاء المنتظر.
تضغط فرنسا من طرفها على أهمية نجاح اللقاء ومشاركة الجميع فيه ، كما نسب لوزيرة الدولة لشؤون الخارجية الفرنسية راما ياد ! وكان يفترض أن تبرز مواقف عربية بهذا الصدد ، دعماً للسلم ووحدة السودان ، لكننا نكتفي بالتحذير من تدخلات أجنبية !. فالعرب لا يريدون إبداء اهتمام يذكر ، ويشككون في الوقت ذاته بأي اهتمام خارجي أياً كان مصدره وفحواه ، ومن أي نوع فحتى المنظمات الإنسانية قد يجري النظر اليها على أنها مشبوهة ، كما يُفتي بذلك " مجاهدون " في العراق وغزة ، وهي طريقة عربية تقليدية قد لا تستحق التعليق عليها .
mdrimawi@yahoo.com