مدونة محمود الريماوي

« | »

قواعد اللعبة التي تغيرت

              قواعد اللعبة التي تغيرت     

                                            محمود الريماوي

الكارثة التي استقبلت عودة بناظير بوتو إلى وطنها  ، تؤشر على إخفاقات ما زالت تستبطن الحياة السياسية الباكستانية ، وها هي هذه الإخفاقات  تتزايد وتتفاقم ، حيث تقدم المعارضة  نموذجا لا يقل سوء عن النظام الذي يسعى للتخفف من طابعه العسكري مع تخلي برويز مشرف عن قيادة الجيش .

قبل وصولها الخميس 18 تشرين أول الجاري ، نشرت الصحف أنباء عن تهديدات صادرة عن منظمة القاعدة ومنظمات باكستانية متشددة على صلة بتنظيم أسامة بن لادن ، ضد بوتو  ومع ذلك أثبتت السيدة شجاعة في تمسكها بحق العودة . وبعد وقوع التفجيرين سارع زوجها للقول إن جهازاً أمنياً حكومياً يقف وراء الجريمة . وأيا كان المخططون والمنفذون ، فهم متوحشون ومتخصصون في تشويه صورة الإسلام والمسلمين ، وذلك بما يتوفرن عليه من تبخيس مشين لقيمة الحياة البشرية ، واحتساب البشر أصفاراً ووقوداً لجشعهم على السلطة .

تعتبر أحزاب متشددة أن بوتو على صلة قوية بالولايات المتحدة ،ورغم أن ذلك صحيح بصورة جزئية  فقط ، فإن من حق هذه الأحزاب معارضتها بالوسائل السياسية والإعلامية والبرلمانية  .غير أنه ليس من حق زعامات حزبية معارضة حق البشر في الحباة ، فخالق الكون هو وحده في عليائه ، من يمنح ويسلب الكائنات الحق في الحياة .ومن المعلوم أن جماعة القاعدة وما يتصل بها من جماعات رديفة و"شقيقة " قد نسجت خلال حكم طالبان لأفغانستان ، علاقات قوية مع دوائر في الحكم الباكستاني ، بما في ذلك أجهزته الأمنية والعسكرية ، وقد كان التعاون مع حكم طالبان شبه علني علما ان باكستان كانت بين دول نادرة اعترفت بحكم طالبان ، وعليه فغنه لس مستبعدا أن تكون أجهزة حكومية ضالعة في الجريمة ، ليس فقط بسبب توجهها العقائدي ، بل كذلك لقطع الطريق بصورة دموية على تقاسم السلطة بين حزب الشعب وبين برويز مشرف .

لا يشكل ما حدث رغم ما أثاره من ضجيج يصم الآذان ،  تطوراً أو تحولاً سياسياً ذا شأن ، فهو لا يعدو أن يكون انزلاقاً إضافياً نحو توسيع العنف الأهلي والاحتكام إليه ، ومحاولة إغلاق كل الأبواب أمام حياة سياسية طبيعية ، وهذه هي البيئة التي يرنو المتطرفون لإرسائها وتعميمها ، كي تزدهر نشاطاتهم ودعاويهم .وكي يصبح في النهاية كل مواطن عدواً محتملاً لابن وطنه يتوجس منه ويتربص به ، وفي ذلك وصفة نموذجية لخراب الدول والمجتمعات .

ومن المثير حقاً أن من يشقون الطريق نحو هذه الهاوية بكل ما ملكت أيمانهم ، يرطنون بالمعارضة والديمقراطية ، بعدما وقعوا كما يبدو على تكأة يستندون اليها تتمثل في الحياة الحزبية والبرلمانية ، للقفز على السلطة وتقويض ابسط معاني التداول السلمي على السلطة واحترام التعددية ، وليس مهماً خلال ذلك أعداد الضحايا الذين يسقطون على الطريق ، ما دام قد تم العثور على غطاء ديمقراطي ، يتم من خلاله التمويه على المرامي الحقيقية والأهداف الفعلية .

كان الواجب يقضي أن يكون اتفاق تقاسم السلطة بين حزبي بوتو ومشرف مقدمة ومنطلقا لمفاوضات ومساومات وحتى لنضال مدني ، بهدف إعادة الحياة المدنية وتوسيع إطار المشاركة لا أن يقتصر الأمر على تقاسم ثنائي . غير أن تحالفا يضم زعماء قبائل وخلايا نائمة ل"طالبان باكستان " وحزب نواز شريف وربما أطرافاً عسكرية في السلطة ، اختارت بدلاً من ذلك  الطريق الأقصر وهو زج البلاد والعباد في معمعة دموية ، تضمن للقاعدة وامتداداتها وتحالفاتها المحلية ، حضوراً وانتشاراً في أجواء من الفوضى والإفقار ، تحت راية مناوأة الولايات المتحدة ، وكان هذه المناوأة المشروعة لا يقيض لها أن تتم ، إلا بفتح الأبواب على مصاريعها أمام النزاعات الأهلية وتقويض الإدارات والمرافق ، والعودة بالبلد عشرات السنين إلى الوراء ، وذلك في استنساخ لتجربة العراق وأفغانستان ، مع فارق أنه ليس هناك قوات أو قواعد أميركية في بلد محمد علي جناح . فيما كان الطموح القومي لملايين الباكستانيين ولعله ما زال قائما ً، يتجسد في منافسة الجارة و"الغريمة" الهند في ميادين التقدم العلمي والديمقراطي ، والمضي ولو ببطء على طريق التحديث . والذي حدث أنه جر التشبه بالجارة في السباق النووي وحده دون امتلاك  بقية الشروط الاقتصادية والمؤسساتية التي تكفل بقاء هذا السلاح لأغراض الدفاع والردع ، وضمان السير خلال ذلك على طريق التقدم الشامل في ظروف آمنة .

والآن وعلى "هدي " من الاحتكام للقوة العارية  ، وإثارة الغرائز الشعبوية  ، والسعي لهندسة اجتماعية وحضارية أشد تخلفاً ، وعلى إيقاع المواجهة التدميرية بين واشنطن والتي تتخذ من دول أخرى ميداناً لها ومن شعوب أخرى وقوداً لها ،  فإن الصراع يدور في بلاد الباكستان تخت ذرائع ومسميات خادعة مثل مناوأة الحكم العسكري ( للاستعاضة عنه بحكم ميليشيات  ) وبنصرة الإسلام علماً بأن غالبية الباكستانيين يدينون بالإسلام  ،وحيث يتمتع هذا البلد بمئات المدارس والمعاهد الدينية ، وليس هناك محل لأنماط الحياة الغربية فيه .فيما لا يجد حزب نواز شريف العائد إلى المنفى من تحالفات سوى زعامات قبلية ومتشددين ، أما بوتو سليلة الأسرة السياسية وابنة علي بوتو الذي قتله الجنرال ضياء الحق ، فهي تواجه وضعاً مأساوياً فقد تغيرت قواعد اللعبة  في بلادها ولم يعد التنافس بين أحزاب مدنية ، فقد توزعت مراكز القوى بين العسكر والزعامات القبلية والمتطرفين .وهي من إفرزات انقلاب مشرف وحكمه .

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba