مدونة محمود الريماوي

« | »

البيت الأول

البيت الأول

محمود الريماوي

 

إالي حلمي الأسمر

 حينما وصل مع أمه وأبيه المسنين لزيارة البيت الأول لعائلة، قبل ظهيرة يوم خريفي، وبعد بحث لم يطل واستكشاف مسبق علي الخريطة، فقد كانت تتناهبه مشاعر شتي، فمن الفضول الطاغي لزيارة المنزل الذي أمضت فيه الأم والأب سنواتهما المشتركة الأولي، وشهد ولادة شقيقه الأكبر الذي يكبره بثماني سنوات، الي الخشية بأن لا يتمكن من رؤية البيت، اذا ما رفضت العائلة الاسرائيلية الساكنة السماح لهم بالدخول، كما وقع مع كثيرين قصدوا منازلهم الأولي التي أجبرتهم الحرب علي مغادرتها، الي خشيته بأن يبدو أمام نفسه، مجرد زائر بل سائح اذ لا ذكريات تربطه بالمنزل، مما يحرجه مع أمه وأبيه، أو أن لا يعجبه البيت القديم ببساطة، مقارنة بالشقة الحديثة الفسيحة التي يقطنها هو. ومع ذلك فقد كانت تقوده لهفة الوالدين، وفضوله العاطفي وحنينه الغامض لكن القوي، لرؤية البيت الذي فارقاه قبل 48 عاما.. مرة أخري هذا الرقم المشؤوم.
يقع البيت في قرية الشيخ مونس التي جري تهديم معظم بيوتها وقد نجا بيتهم بأعجوبة، وباتت القرية بحكم الهندسة الجغرافية والديمغرافية احدي الضواحي البعيدة لتل أبيب، وقد استدل الأب.. علي البيت بمعاونة الزوجة رغم ضعف بصرها، لأنه احتفظ رغم الترميــــم بمظهره الخارجي، باستثناء تغيير الأشجار فقد اقتلعت شجرتا التين والتوت، وحلت محلهما أشجار غير مثمرة لا اسم لها ، والسور أصبح أكثر ارتفاعا واتساقاً. وللحظات بدا الأب متردداً في قرع الباب. وهو ما لاحظته الزوجة فتقدمت عليه بخطاها، وسألت ابنها أن يبحث عن مكان الجرس، وقد تمني الابن أن يعثر عليه سريعا حتي لا تثير هيئة العائلة الريبة، وقد حدث ذلك.
ضغط علي كبسة الجرس، ولدهشتهم فقد سارعت سيدة لا تبدو أنها تجاوزت الأربعين الي فتح باب داخلي، ووجهت سؤالاً بالعبرية يفهم منه الاستفسار عن الطارق. فأجابها الابن بالانجليزية سائلاً اذا ما كان يستطيع التحدث اليها، وقد اقتربت من البوابة الخارجية محتفظة بمسافة نحو ثلاثة أمتار، عن العائلة العربية الغريبة . أجابها الابن وهو رجل مكتمل القامة والقيافة، بأن اسمه يوسف وأنه بصحبة أمه وأبيه، وأنهم قادمون جميعاً من عمان لرؤية بيتهم العائلي، الذي غادروه في حرب 1948 اذا لم تكن تمانع في ذلك. لم تبد السيدة اندهاشا كبيراً لما سمعت، فقد تكدرت فقط، اذ سمعت عن حالات مماثلة عديدة، حدثت بعد اتفاق اوسلو ومعاهدة السلام مع الأردن، ولعلها فكرت لوهلة بأن للسلام متاعبه أيضا، فهو يوقظ الماضي النائم (كمن يتم تنويمه بمخدر قوي) وحيث هناك اتفاق وطني علي تناسيه، ومحو صورة ضحاياه.
لم تجب علي التو إذ انشغلت بتفحص ملامحهم واخفاء كدرها، ثم لم تلبث أن دعتهم للانتظار قليلاً.
وقد غابت لبضع دقائق، لتعود داعية اياهم وان بفتور للدخول. لم يصدق الأب ما سمعه، غير أن عزيمة جديدة حلَت عليه فأزاح امرأته عن طريقه، ونطق دستور وهو يشق طريقه وراء سيدة البيت الجديدة. أما امرأته فشكرت السيدة واعتذرت لها مسبقاً عن الازعاج، دون أن تفهم السيدة ما يقال ولكنها خمنت المقصود. قادتهم السيدة الي الغرفة الكبيرة غرفة الاستقبال.
الأب انشرح لأن البيت في حال جيدة وكما تمني، وكاد يشكر السيدة علي اهتمامها به لكنه لم يفعل، اذ أخذ يردد: ها هو. وامرأته تردد وراءه: نعم هذا هو البيت، لم يتغير عليه شيء كثير.هل تشربون شيئا؟ نطقت السؤال بسرعة فائقة ووجهها نصف مائل عنهم، فأجابوها معاً: اذا كان هناك ماء. قال ثلاثتهم دون اتفاق مسبق، وحسب طريقة فلسطينية مألوفة، يبدي فيها الزائر اكتفاءه بالماء للتدليل علي اعتذاره عن تناول أي شيء. أحضرت المرأة زجاجة ماء وثلاثة أكواب.
وأنبأتهم أن زوجها يعمل ضابطاً في جيش الدفاع ، وأنها استمهلتهم علي الباب لكي تتصل به، وقد فعلت ولم يبد ممانعة في رؤيــــة البيت. وأشارت الي صورة له بزيه العسكري، داخل اطار علي منضدة في الزاوية. انقبض الأب وخاصة لدي ملاحظته انشراح صاحب الصورة. وقالت السيدة الزائرة: بنينا هذا البيت وتزوجنا وعشنا فيه سبع سنوات قبل أن يرحلونا. فقالت المضيفة: نحن هنا منذ أربعة عشر عاماً، نحن من مواليد اسرائيل ووالداي من مواليد بولندا، وقد اشترينا البيت من عائلة يهودية من العراق ورممناه..
وسألتهم ان كانوا يرغبون في رؤية بقية البيت، فنهضت الزوجة وتحسست الجدار قربها ولم يكن خشناً، وكانت تتمني لو أنه كذلك حتي تحتفظ بملمسه، ومشت خلف صاحبة البيت الجديدة. بينما ساور يوسف الذي جاوز الأربعين بأربع سنين، ساوره خاطر أن يسألها اذا كانت ترغب في بيع البيت، وقال لنفسه: ألم يحل السلام، ومعه الأخذ والعطاء والبيع والشراء؟. هناك غرفتا نوم ومطبخ صغير وحمام واحد. هذا هو البيت. السيدة المسنة الزائرة كانت تهز رأسها وهي تحدث نفسها: طبعاً هذا هو البيت، نحن من يعرفه. الأب ينظر بامعان الي البلاط والجدران والسقف، نظرة المتفحص الذي يعاين ما تغير وما بقي علي حاله. يوسف يراقب انفعالات أمه وأبيه، ويقول لهما ان بيتكم جميل. ليس كبيراً لكنه جميل.
وفي هذه الأثناء، ولما أوشكت الزيارة علي الانتهاء بعد مضي نحو سبع دقائق فقط، وبعد استيفاء الغرض منها، اذا بطفل بملابس زاهية وبصحة جيدة في سن الثالثة أو الرابعة، يطل فجاة ويبتسم في وجه يوسف. ابتسامة طفولية هانئة تستحثه علي أن يبادلها بمثلها، بادله بابتسامة عفوية شبه مرتبكة، فتشجع الطفل واقترب منه. وكانت الزائرة اختتمت جولتها، وقد شغلها الأثاث وألوانه وطريقة توزيعه الغريبة بالنسبة لها، وفكرت أنهم فعلوا ذلك متعمدين، حتي تتغير هيئة البيت من الداخل، دون أن تتبادل حديثاً مع المضيفة. أما الأب فتبدلت فرحته الي زعل: انه لا يجد ما يقوله ولا ما يفعله، وليس بوسعه الجلوس لتنسم عبق البيت، فبماذا يبرر ذلك لو فعل؟ أما يوسف فقد انشغل لهنيهات بالطفل، وأخذ بعد قليل من التردد يداعبه بالتصفيق الخفيف وفرقعة الأصابع.وفكر لو أنه أحضر معه ابن شقيقه أو شقيقته، كي يلهو أحدهما مع هذا الطفل، فأبناؤه هو شبوا عن الطوق، فكر بذلك مع ابتسامة مكتومة متسائلة: ما نفع ذلك لو تم؟
وفيما جرجر الأب والأم أقدامهما شاكرين باقتضاب وبصوت متلعثم للمضيفة استقبالها، بعدما استشعرا أنهما يفقدان البيت لمرة ثانية وربما أخيرة، حتي تمني كل منهما في سره لو أنه لم يأت وأعفي نفسه من التجربة، فان يوسف الذي لم يصدق تمكنه من رؤية البيت الساحر، والتواصل معه بهذه السهولة ، البيت الهاديء الذي يشبه بيوتاً حجرية ريفية صغيرة أليفة، صادفها في العديد من القري والمنتجعات في حوض المتوسط، فقد لبثت في ذهنه بعدئذ علي الخصوص صورة الطفل اللاهي ولم تبارحه، الطفل الذي تقرَب منه في غياب أبيه ومع توجس أمه، وتلاقت نظراتهما معاً غير مرة، والذي شيعه لدي مغادرته بنظرات بدت له عاطفية.

0

تعليقات

Comment Icon

غادرت منزلا استأجرته اثناء مرحلة دراستي الجامعية لمدة عام واحد.
كانت المودة كبيرة بيني وبين اصحابه المسنين وابنهم الوحيد،
في احد الايام قررت زيارتهم فقد كانوا بمثابه الاهل في غربتي ولم يشغلني عنهم سوى الدراسة.
قالت لي الحاجة التي وجدتها وحيده في المنزل ان ولدها الهاشمي سيعقد قرانه وهو يجهز الشقة التي كنت تسكنها.
طلبت ان ارى اثاثه والحقيقة ان هدفي هو رؤية المنزل ورغبتي بإشتمام رائحته.
كنت في العشرين من العمر وهذا المنزل لم ابنه ولم اتملكه ولم يخلصه احد مني ومع ذلك انهمرت دموعي عندما دخلته.
كان الله في عون الحاج ابو يوسف وزوجته

Arrow Icon wessam | 24/10/2007, 12:10 [الرد]

Comment Icon

ما كتبه وسام تعليق جميل ويبدو كملخص لقصة قصيرة
مع تحيات
محمود الريماوي

Arrow Icon محمود الريماوي | 24/10/2007, 13:12 [الرد]

Comment Icon

مشكور و ما قصرت

مشكور أخي على المعلومات

بلوتوث
صرقعه
صرقعة
منتدى

Arrow Icon عشقان | 23/09/2008, 04:30 [الرد]

Comment Icon

يعطيك العافية
انمي

Arrow Icon صور | 28/09/2008, 16:13 [الرد]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba