18 تشرين اول, 2007
منطق آكلي لحوم البشر !
محمود الريماوي
ها هي نقطة مضيئة تومض في ظلام الصراع العربي الإسرائيلي ، إنها تبادل جثامين وأسير حي واحد بين تل أبيب وحزب الله .كان الأمل أن لا يقع قتلى من الجانبين وأن يعود الأسرى والمقاتلون والجنود أحياء إلى ذويهم ، لكن هذا هو الوعد بالموت الذي يطلقه هذا الصراع، الذي يريد كثرة من أهل اليمين الإسرائيلي جعله أبدياً .
كان الأمل أيضاً أن تكون الحكومة اللبنانية طرفاً في مفاوضات التبادل ، فليست هذه الحكومة أجنبية لهذا الحد بما يتعلق بمواطنيها ! .كان الواجب يقضي أن يتم احتساب الحكومة اللبنانية كحكومة شقيقة على الأقل ل" دولة حزب الله " ! لا أن يتم كل شيء يتعلق بالحرب والسلم ، في غيبتها ومن وراء ظهرها .
مع ذلك فهذا التطور جيد .من المفيد مراعاة الاعتبارات الإنسانية ،والتقيد بها كما أشار أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله . وفي ذلك درس لإسرائيليين ما انفكوا يراهنون على الكراهية والقتل ، وينشرون بغير خجل هذه الثقافة المريضة ، في صفوف الجنود وتلاميذ المدارس .
من العار الاحتفاظ بجثامين وبآلاف الأسرى الأحياء . الإسرائيلييون مهووسون باختطاف وجمع أكبر عدد من المعتقلين ، بأكثر مما يفعل هواة جمع الطوابع . يرغبون أن يكونوا أسياداً على ضحاياهم وعلى جيرانهم ، وعلى التسبب بمحرقة لأبرياء انتقاماً من محرقة اليهود . ومع ذلك يزعم مخبولون منهم برغبتهم بأن يكونوا جزء من المنطقة وشعوبها . ازدراء ذكاء الآخرين هو بين ما تتميز به العقائد العنصرية ومنها الصهيونية ، على الأقل في صيغتها المعتمدة والمطبقة . ويتبع ذلك ازدراء حق الغير في الحرية والأمن والكرامة . واعتبار ذلك حقاً حصرياً لمستوطنين وافدين من وراء البحار .
من المؤسف أن تطورا جيدا كعملية التبادل ، يتبدد أثره مع تقيد اولمرت وحكومته بممارسة القتل اليومي أي الإبادة بالتقسيط . وإطلاق مناورات بلا نهاية لإدامة الاحتلال والتهرب المشين من موجبات العملية السلمية ، كما يتضح حتى الآن في المباحثات مع رايس ومع الجانب الفلسطيني .
يعتبر إسرائيليون كالحاكمين حالياً في تل أبيب ، أي تقيد بأبسط حقوق الإنسان والشعوب تنازلاً .. بل تنازلاً مؤلماً ! ، وهذه شيمة العصابات والخارجين على القانون ، وليست سمة دول ومجتمعات متحضرة تنتمي إلى عالمنا . ولذلك تكاد تعجز الهيئات والمنظمات الحقوقية والإنسانية وبعضها إسرائيلية ..تعجز عن حصر الارتكابات والتعديات الجسيمة التي ترتكبها سلطة الاحتلال بلا توقف ، ومنها على الخصوص اختطاف واحتجاز الآلاف وراء القضبان وتركهم "يتعفنون " هناك . والتشاطر بإخلاء سبيل مئات ثم احتجاز أضعاف عدد هؤلاء . ومع ذلك يتبجحون بالديمقراطية وينشئون صناعة من الكذب ، حول سجلهم الناصع وحول طهارة سلاح مستوطنين ينتقمون من أبناء البلاد .
من الصعب فصل الجانب الإنساني عن البعد السياسي فالكوارث الإنسانية هي من صنع سياسيين دمويين ، لا يطيقون رؤية ما هو غير يهودي ، أو مصادفة أحد من أبناء البلاد وأصحابها . على أنه يبقى من المفيد بل من الواجب التركيز على الجوانب الإنسانية ، وفضح الممانعة الإسرائيلية في التصرف كبشر إزاء بشر آخرين ، وفق النواميس الإنسانية لا بمنطق آكلي لحوم البشر .
المنظمات الحقوقية لا تتوانى عن كشف المخازي . غير أن هناك بين ساسة الغرب من يستمرىء الخضوع للابتزاز الإسرائيلي ويمتنع عن عمل المقتضى . وهناك من يتواطأ وهناك بينهم من يخشى الغضب عليه . وهذه بعض أسباب تدهور الوضع الإنساني وانسداد الأفق السياسي حتى تاريخه .
mdrimawi@yahoo.com