16 تشرين اول, 2007
شهادة أخرى ..من يستثمرها ؟
محمود الريماوي
وجه المبعوت الخاص للأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان جون جودارد ، دعوة للمنظمة الدولية التي يمثلها للانسحاب من اللجنة الرباعية الدولية التي تضم إلى الأمم المتحدة : أميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي .المبعوث يعمل في الأراضي المحتلة ، وقد جاءت دعوته اعترافاً بما أسماه عجز اللجنة الرباعية عن الوفاء بواجباتها تجاه الشعب الفلسطيني . وأشار إلى أن الرباعية لا تستطيع تحدي القيود التي تفرضها إسرائيل على الشعب الفلسطيني .
يرتدي هذا الموقف أهمية كبيرة .فاللجنة الرباعية التي بات توني بلير ممثلا لها ، تخضع على الدوام للابتزاز الإسرائيلي والأميركي ، مع العلم أن مواقف أعضائها متفاوتة ، فالمواقف الروسية والأوروبية أفضل بما لا يقاس من الموقف الأميركي ..غير أن المشكلة تكمن بعدئذ في عدم بلورة المواقف الصائبة إلى سياسيات معتمدة كما أن الضغوط الأميركية داخل اللجنة تنتهي بأن تتخذ اللجنة مواقف عائمة وعمومية ، وفي النتيجة فإن الاحتلال يبقى مطلق اليدين في ممارسة سياسة التنكيل والتوسع .
بين آونة وأخرى يخرج مسؤول دولي هنا أو هناك ، بموقف نزيه يسمي الأشياء بأسمائها .وما يحدث بعدئذ أن هذا الموقف يتبدد ويضيع أثره ، ليس فقط لأن تل أبيب تقوم بالتمويه عليه وشن حملة ديماغوجية عليه ، بل لان الطرف الفلسطيني لا يحسن استثمار مثل هذا التطور ويتركه يمر ، دون متابعة من أي نوع أو البناء عليه ، في ما يُفترض أنها مواجهة سياسية مفتوحة مع الاحتلال .
يجري التحضير لمؤتمر الخريف وسط أنباء عن إمكانية تأجيله . وبينما يتمسك الجانب الفلسطيني بمواقف صائبة لجهة ضرورة التوصل إلى وثيقة مشتركة تقضي باستئناف التفاوض حول القضايا النهائية وفق جدول زمني . بينما يفعل ذلك فمن اللافت غياب أي سجال مع الاحتلال الذي "يأخذ " راحته في أعمال التوسع والتنكيل . وبالكاد يتبين المرء موقفاً للسلطة ، بخصوص تأهب الاحتلال لمصادرة المزيد من الأراضي حول القدس (1100 دونم فقط !) .
ما خرج به مبعوث الأمم المتحدة يشكل شهادة رفيعة المستوى وفائقة الأهمية ، للسجال مع الاحتلال والضغط السياسي والمعنوي عليه عشية عقد المؤتمر العتيد . ومن اجل وضع الأطراف الدولية أمام مسؤولياتها . وواقع الأمر أن الوضع يسوء بسبب العقيدة المتوحشة للاحتلال وكذلك بسبب تقصير وسلبية أطراف دولية ، ثم "بفضل" تقيد السلطة الفلسطينية بدبلوماسية تقليدية قائمة على المخاطبات والمناشدات فحسب ، بدلاً من اعتماد دبلوماسية المواجهة .
إنه لمن المطلوب على الأقل عدم ترك المبعوث جون جودارد وحده ، في مواجهة ضغوط متوقعة داخل أروقة الأمم المتحدة وخارجها عقاباً على شجاعته الأخلاقية ، وتعضيد موقفه بالقول إن ما أورده صحيح مئة بالمئة ويعكس واقع الحال . وأنه لا بد من سماع شهادته وعمل المقتضى بموجبها ، من أجل تهيئة الظروف لكبح جماح الاحتلال وإنجاح المؤتمر .
من واجب السلطة أن تبدي غضبها بصورة علنية لا داخل غرف مغلقة ، وأن تستقوي بشعبها وأصدقائها ومناصري الحرية والعدل ومنهم أخيراً المبعوث حون جودارد . ذلك أن انتزاع الحقوق في النهاية لا يتم بمجرد الحذق في النقاش واعتماد خطاب موضوعي ومنطقي ، فلا بد من اللجوء إلى السجال والصراع مع احتلال متوحش وعنصري . وفي وقت سابق من هذا العام كما ذكر تقرير بثته إذاعة بي بي سي العربية بالأمس ، فإن المبعوث جودارد كتب تقريراً قارن فيه بين الاحتلال الإسرائيلي ونظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا . وفي وصفه للاحتلال ذكر وصف التمييز العنصري 24 مرة في تقريره الذي ضم 24 صفحة مطبوعة .
هل بات من المطلوب أن يخوض الآخرون الصراع بدلاً منا فلسطينيين وعرباً ؟ .
mdrimawi@yahoo.com