15 تشرين اول, 2007
الجوار القريب والماضي البعيد محمود الريماوي
بما أن السياسة الخارجية هي بصورة أساسية لا ميكانيكية امتداد للسياسة الداخلية ، فإن المراقب يستهويه ملاحظة المنحى الذي تتخذه القيادة التركية نحو العالم الخارجي ، بعدما فاز عبدالله غل برئاسة الجمهورية ، وآلت جميع سلطات القرار الأساسية باستثناء قيادة الجيش إلى حزب العدالة والتنمية .
لقد نشبت في الأيام الأخيرة أزمتان، الأولى تتعلق بمطاردة قوات تركية لمقاتلين في حزب العمال الكردي داخل الأراضي العراقية (إقليم كردستان شمال العراق ) .والثانية تتصل بالنقمة الشديدة إزاء قرار للكونغرس يحمل الدولة العثمانية مسؤولية مجازر ارتكبت ضد الأرمن .
يبدو الحكم التركي متشدداً إزاء وجود مقاتلين لحزب العمال قي الأراضي العراقية .وهو موقف مفهوم ، وخاصة في ضوء اتفاق أمني أخير جرى توقيعه بين حكومة المالكي ، وحكومة رجب طيب أردوغان بمكافحة الإرهاب ، مع احتساب حزب العمال ضمن المستهدفين بالحملة . غير أن الاتفاق نفسه لم يلحظ حقاً لقوات تركية في مطاردات تتم داخل العراق . وهي مشكلة كبيرة بالفعل تواجه إقليم كردستان كما تواجه الحكومة "المركزية" في بغداد . حكومة كردستان بزعامة البرازاني تتحمل مسؤولية لا يسعها الفكاك منها ، وذلك بالسماح لمقاتلين أكراد أتراك بالتمركز والتحشد والانطلاق من هناك لمهاجمة أهداف تركية . أنقرة من جهتها مدعوة للإفساح في المجال أمام حل سياسي ،يبدأ بمنح مهلة قصيرة لوقف الهجمات بصورة نهائية انطلاقاً من الأراضي العراقية . وهذا ما لم يحدث . فإذا أضيف إلى ذلك التشدد التركي ، في العزوف عن الخوض في أي حل سياسي من أي نوع ل"المسألة الكردية " في بلاد الأناضول ، فإنه يتضح أن السياسة التركية تنحو منحى قومياً صرفاً ،لا يقل قومية عن التيارات الأخرى كالحزب الجمهوري أو سواه ، وحتى دون نكهة خاصة لحزب العدالة والتنمية .
كذلك الأمر بما يتعلق ب"مجازر " ارتكبت ضد الأرمن .فالمسألة هذه هي أيضا ذات بعد داخلي بانعكاس على السياسة الخارجية . فتركيا من مواطن الأرمن الأساسية في المنطقة ، وأحوالهم هناك ليست سيئة ، بل هي أفضل بما لا يقاس من وضع الأرمن في إيران مثلاً .
غير أنه لا بد من الاعتراف بمشكلات الماضي ، في ضوء القطع مع السياسات العثمانية التي أدت إلى نشوء تلك المشكلات ، وإلى قيام جمهورية المؤسس أتاتورك بديلاً عن السلطنة العثمانية الغاربة .
ليست الدول الأخرى بأفضل حالاً من تركيا في التعامل مع صفحات الماضي . فليس هناك بين دول الاستعمار القديم ،من تنأى معنويا وأخلاقيا عن سوءات الماضي وتعترف بالخطايا . إنها معضلة كبرى .فالأميركيون يتعاملون مع إبادة ملايين الهنود ، وكما لو أن تلك الواقعة المخزية هي مجرد رياضة مارسها المستوطنون الأوائل لاقتلاع نباتات ضارة . كذلك الحال مع ارتكابات بريطانيا وفرنسا والبرتغال واليابان وسواها من الدول في مستعمراتها السابقة .
ليست هناك ذرة من الإنصاف في تخصيص تركيا دون سواها ، في تحمل أوزار مراحل تاريخية سابقة ، إن لم يكن تبرئة تلك الدول رغم أنف المؤرخين والوقائع والشواهد التاريخية الدامغة ، وبعض شهودها ما زالوا أحياء .
الأفضل أن نكون لتركيا مقاربها الخاصة لهذه المسألة ، دون الاقتصار على الإنكار أو دعوة الآخرين لطي تلك الصفحة . من المفيد طرح سابقة أخلاقية في التعامل مع هذه المسألة مع التأكيد على أن الدولة التركية الحديثة ، ليست وريثة الخلافة العثمانية بل قامت على أنقاضها .
ومن السخرية حقاً أن مشرعين أميركيين يقف وراءهم بعض صانعي القرار في واشنطن ، باتوا ينطقون باسم الأرمن وكان بوسعهم النطق باسم جزائريين أو فلسطينيين أو هنود حمر ، فيما يراد رؤية مسؤولين أتراك سابقين وحاليين على أنهم سلاطين عثمانيين .
mdrimawi@yahoo.com