14 تشرين اول, 2007
قرار استثنائي
محمود الريماوي
هناك قرار على جانب من الأهمية أصدره الكونغرس الأميركي قبل أيام ، ولم يستوقف الصحافة المحلية كما كان متوقعاً . القرار يعتبر الإسلام واحداً من أعظم الديانات في العالم ، ويعرب عن احترامه العميق للمسلمين في الولايات المتحدة وسائر أنحاء العالم . صوت على القرار 376 نائبا وامتنع عن التصويت أربعون نائباً .وهو أول قرار من نوعه يصدره الكونغرس .
أهمية القرار ليست خافية .فهو يشكل رداً قويا وجوهريا على الثقافة المستشرية التي تتلخص بفوبيا الإسلام والمسلمين . وبنزع القرار الغطاء عن كل الممارسات السلبية تجاه المسلمين وبالذات في الولايات المتحدة، وهي ممارسات تتكىء على نظرة عدائية مسبقة للإسلام والمسلمين ، وعلى ادعاء الحاجة للوقاية من مخاطر وتهديدات محتملة من أشخاص وجماعات لمجرد أنهم يدينون بالإسلام أو أنهم يرتدون أزياء خاصة بهم ، يواظبون على ممارسة شعائرهم الدينية .
يفترض أن ينعكس هذا القرار على مجمل الإجراءات والتدابير "القانونية "التي وضعت والتي تتخذ ضد مسلمين على الشبهة ، سواء في داخل الولايات المتحدة أو خارجها . فالقرار لا يندرج في باب المجاملات ، فهو ليس خطاباً في حفل ولا مقالاً في جريدة .ولا يود المرء وصف القرار ب"التاريخي " رغم أهميته البالغة ، ذلك لأن هذا الوصف يعني أن الكونغرس كان يتحذ موقفاً آخر ، سلبياً بالضرورة ضد الإسلام والمسلمين وقد تم التراجع عنه . الأصح القول إن الكونغرس قد بلور موقفه من الديانة التوحيدية الكبرى ، وبصورة إيجابية وكما يجب .فالعلاقات بين المسلمين والأميركيين وثيقة وعميقة وتاريخية ، وقد تعرضت للطعن فقط لأن السياسة الخارجية الأميركية انحازت بصورة عمياء للاحتلال الإسرائيلي ، ودعمته وشجعته على ازدراء القرارات الدولية وأحكام القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان .وقد أسهمت وسائل الإعلام الاميركية الهائلة النفوذو التأثير مع وجود بعض الاستثناءات المهمة ، في شيطنة صورة العرب والمسلمين ، وأبدت استخفافاً هائلاً بالكارثة التي أحاقت بالفلسطينيين وبحقهم في التمتع بحريتهم واستقلالهم ، على جزء من وطنهم التاريخي وهو المحتل منذ العام 1967 .
يذكر هنا أن مشروع القرار تقدم به النائبة الديمقراطية إدي جونسون ، ونال تأييداً أكبر في أوساط المشرعين الديمقراطيين ، فيما كانت أكثرية الممتنعين عن التصويت من صفوف الجمهوريين . وتفسير ذلك ان الديمقراطيين على العموم يمتلكون حساسية إيجابية تجاه التعدد الديني والتنوع الثقافي وحقوق الأقليات ، رغم أن هناك نسبة غير كبيرة في صفوفهم ممن يمكن وصفهم بغلاة اليمين .
هيئات المسلمين الأميركيين نوهت بالقرار ، ووصف عضو في مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية القرار بأنه : إيجابي كلياً . فيما وصفه مجلس الشؤون العامة الإسلامية الأميركية بأنه : معلم هام بالنسبة لنا .ووصف آخرون القرار بأنه بادرة مطمئنة .
لا شك أن المشرعين في الكونغرس تأخروا طويلاً في إبداء مثل هذا لموقف الجماعي والمسؤول .كما طال بهم العهد على "اكتشاف" الديانة التوحيدية الكبرى ، والتي ينتشر فيها نحو مليار وثلاثمائة مليون مسلم في القارات الأربع الكبرى أيضا في عالمنا . فضلاً عن إسهام الحضارة الإسلامية في وضع مقدمات أولى للحضارة المعاصرة . ومهما يكن من أمر فالقرار من شأنه الرد على ما لا يحصى من تخرصات نالت المسلمين في السنوات الخمس الماضية ، وعلى ما تبقى من دوائر معادية تنكر التعدد الديني ، ومركزية الإسلام في المنظومة الروحية لعالمنا .
بقي أن يستقبل المسلمون هذا القرار بما يستحقه من اهتمام ، سواء بالحفاظ على صورتهم ، أو الدفاع بصورة لائقة ولكن حازمة عن حقوقهم المشروعة ، أو بالمزيد من الانفتاح والتواصل مع الثقافات الأخرى . مع انتظار أن يجد القرار ما يستحقه من انعكاس على الرؤى السياسية ، لصانعي القرارات في واشنطن .
m