12 تشرين اول, 2007
من يتنازل ومن يتعنت ؟
محمود الريماوي
يعاني لبنان أزمة سياسية محتدمة من عناوينها ، الانقسام حول انتخاب رئيس جمهورية جديد .ومن عناوين الحلول المطروحة للخروج من الأزمة اختيار رئيس توافقي من الأكثرية النيابية والمعارضة.هذا الطرح جيد ، فالوفاق هو أفضل المخارج لاحتواء الانقسام . لكن لماذا تم التقدم بهذا الطرح ؟ لسبب بسيط وهو حرمان الأكثرية من التمتع بحقوقها الدستورية ، والحؤول دون انتخاب رئيس عبر المجلس النيابي بالأكثرية المطلقة :نصف زائد واحد . حسناً ، رغم ذلك فإن الوفاق يظل سيد الحلول في نهاية المطاف . المعارضة وعلى رأسها تيار الجنرال ميشال عون حزب الله ، تعتبر الحل الوفاقي بمثابة تنازل وتضحية منها ، وخلافاً لواقع الحال . فالطرف الذي يتنازل حقاً في هذه الحالة ، ليست المعارضة بل الأكثرية صاحبة الحظوظ الأوفر في اختيار الرئيس بحكم أرجحيتها العددية ، رغم عمليات الاغتيال لنوابها والتي استهدفت إنقاص عدد نوابها .
تتنازل قولاً وفعلاً الأكثرية وتقبل بحل توافقي ، لكنها تطلب مواصفات للرئيس العتيد من ضمنها احترام القرارات الدولية التي تكفل وقف الإعتداءات الإسرائيلية ، وبسط الدولة لسلطتها على أراضيها وولايتها على مواطنيها .بينما تطرح المعارضة حفظ حق المقاومة .وهو ما تقبله الأكثرية شريطة عدم بقاء حزب الله كدولة موازية للدولة ! ويطرح مرشحون معتدلون بالفعل مثل بطرس حرب ، التوافق على دمج قوت حزب الله في الجيش اللبناني .غير أن المعارضة أو بعضها على الأقل ترى من حق حزب الله أن يمتلك وحده قرار الحرب والسلم بمعزل عن بقية مكونات الشعب اللبناني ، وعن دولته وسلطاته الشرعية .وهنا تكمن أكثر الخلافات عمقاً .
واقع الحال أن الأقلية تتصرف باعتبارها هي الأكثرية ، وتهدد بتشكيل حكومة ثانية وانتخاب رئيس ثانٍ .هذه النزعة التقسيمية الصريحة يجري تغطيتها بوابل من الشعارات الثورية ، وكأن قتال إسرائيل يسوغ تقسيم البلد وتمزيق المجتمع وتقويض الدولة الشرعية .وللأسف فغن هذه الشعارات تنطلي على البعض ، مع تغافل لمردودها على الأرض وفي النفوس .
حين تم انتخاب الرئيس إميل لحود المنتهية ولايته ، وحين تم التمديد له لستين لم يتحدث أحد من المعارضة الحالية عن ضرورة الوفاق . الآن يراد بهذا الطرح فرض وجهة معينة على الفريق الآخر ، باسم الوفاق . وحين لا تنجح هذه المحاولات يجري تسمية المعارضة بفريق فيلتمان ( السفير الأميركي في لبنان ) مع أن الجميع يعرفون أن لا قواعد ولا قوات أميركية في لبنان .ومع ذلك يتمايل البعض مع الطرب الثوري الذي يجافي الحقائق والوقائع ، علما بان من يبثون هذا الطرب يهزأون بحق لبنان بالسيادة والاستقلال أسوة ببقية دول العالم العربي ودول العالم قاطبة .
وتكراراً هناك حاجة للوفاق من أجل استعادة الوحدة الوطنية ، ونزع الذرائع من البعض ممن يهددون علناً بتمزيق البلد وتقويض ركائز الدولة . غير أن أطرافاً في المعارضة تصر على تحديد مواصفات الرئيس والرئاسة ، وبالضد من إرادة الأكثرية التي تثور حفيظة بعض أركانها إزاء ذلك فيدعون لانتخاب رئيس بالنصف زائد واحد ، وهو مما تجيزه القواعد الدستورية .
وفي المحصلة فإن الشطط المفرط هو ما يميز أركانا في المعارضة ، يتخذون من مسمى الوفاق منطلقاً لفرض شروطهم ورؤاهم .
من المفيد رؤية الأمور كما هي عليه . فالأكثرية منتخبة من الشعب اللبناني ، وسبق للسيد حسن نصرالله أن تحالف معها في الانتخابات الأخيرة . لا السفير فيلتمان ولا الحرس الثوري الإيراني ولا "المال الحلال" هو من صنع تلك الأكثرية .أما حزب الله فهو حقاً شأنه شان المقاومة الوطنية السابقة عليه ، صاحب أمجاد مشهودة في مقارعة التغول الإسرائيلي الغاشم ، لكن ذلك لا يبرر له عدم احترام إرادة اللبنانيين ،وتهديد المؤسسات الدستورية والسلم الأهلي.