10 تشرين اول, 2007
لعله نزوع إلى التجديد .. محمود الريماوي
المخاض الذي شهدته جبهة العمل الإسلامي لتقرير المشاركة في الانتخابات النيابية ، ثم فرز رموز ووجوه ذات منحى وفاقي للترشيح باسم الجبهة ..هذا المخاض يحسب في نهاية الأمر لهذا التنظيم ، وذلك ببدء الحسم باتجاه التخفف من الخطاب المتشدد ، دون تجاهل أن هذا التطور جاء أيضا ، كثمرة لحوار قيادات الحركة مع السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الحكومة .
نائب رئيس الجبهة والزميل في الكتابة ل"الرأي " د.رحيل غرايبة ، أوضح في تصريحات صحفية أن التوافق قد تم في الصف القيادي للجبهة على سلوك هذا الخط ، وبالصيغة الديمقراطية ، وأن إقصاء أو تقريباً لأحد لم يتم . وفي النهاية فإن بروز أكثرية هو الذي حسم الأمر.
هذا خبر جيد . فهناك تباينات واجتهادات متعددة تم تداولها ، ففاز أخيراً الاتجاه الذي فاز . هذه نقلة ديمقراطية تحسب للتنظيم .فمن الطبيعي أن تنشأ حياة ديمقراطية داخل الأحزاب ، وذلك كمصداق لانتصار هذه الأحزاب للخيار الديمقراطي ، ودعواتها الملحاحة والمحقة للأخذ بهذا الخيار، على أوسع نطاق في الحياة الوطنية .
ويقيناً أن مراجعة خطاب الإسلام السياسي ، في ضوء مراجعة هذه التجربة الحزبية ونتائجها ،هو أمر ينسجم مع مقتضيات المصلحة وموجبات التجديد .فمن المصلحة تغليب الاعتبارات الوطنية على ما عداها ، من تفاهم وتواصل مع الخارج .والمأمول أن تأخذ تجربة المراجعة مداها عبر قراءة أمينة للواقع .فإذا كانت المصلحة تقتضي وطنياً وقومياً وإسلامياً مناوأة الحلف الأميركي الإسرائيلي لألف سبب وسبب ، فإن المنطق والمصلحة يقضيان بعدم الانسياق وراء مشاريع إقليمية مقابلة ، ترمي لتعزيز نفوذ هذه الجهة أو تلك ، وبالذات المشروع الإيراني بأجندته المعروفة لكل من له أدنى إلمام بالسياسة ، وخطاباتها الظاهرة وأهدافها المضمرة .
الأصل والمرتجى أن تكون هناك مشاريع وطنية تلتقي في جهد وإطار قومي ، وتأخذ المصالح والحقوق العربية في الاعتبار الأول، وليس الالتحاق بهذا المشروع أو ذاك .ومع الأخذ في الاعتبار أيضا أن إيران بلد جار وشعب مسلم ، على أن ذلك لا يسوغ تزيين مشاريع قومية للآخرين ، تتخذ من الأرض العربية لا من بلاد فارس ميداناً وساحة ومنطلقاً لها .
ليس مطلوبا أن تعود جبهة العمل ومعها جماعة الإخوان القهقرى إلى الوراء وتستعيد خطاب الخمسينات والستينيات ، حتى توصف بالاعتدال . ليس ذلك ممكناً ولا منطقياً . فقد تغيرت الدنيا وأحوالها . على أن البديل لذلك لا يتمثل في انتهاج نهج راديكالي يستعيد خطابات اليسار المتطرف ، مع منحها نكهة ومسميات إسلامية باستبدال تعبير الكادحين بالمستضعفين ،والإمبريالية بقوى الاستكبار والقوى "التقدمية " بمسمى الممانعة . ومع تحول الجمهورية الإيرانية إلى كرملين جديد .
كان الحديث في هذا التعليق جارياً عن الانتخابات والأحزاب وقوائمها .غير أن المرء لا يملك بهذه المناسبة وقف التداعيات وغض النظر عن المقدمات السياسية ، وعلى الأقل من باب :الشيء بالشيء يذكر . ولا شك الآن أن الاعتدال الإيجابي لمصلحة العباد والبلاد سوف يعيد موضعة الجبهة في قلب العمل الوطني ، والتفاعل الحي مع مختلف مكونات النسيج الاجتماعي والسياسي والفكري بدلاً من التخندق السابق . وهو ما اتجهت إليه تنظيمات ذات اتجاهات او جذور إسلامية في غير بلد ، من تركيا إلى الجزائر والمغرب وغيرها .مما جعلها في قلب الحراك الديمقراطي لبلدانها ومجتمعاتها ، ولكن بعد التخلي عن القوالب الجامدة وعن احتكار الصواب ، ومع الانفتاح برحابة على نهر الحياة والتغيرات .
mdrimawi@yahoo.com