مدونة محمود الريماوي

« | »

حكم عسكري وبديل شمولي

حكم عسكري وبديل شمولي

                                    محمود الريماوي

تراجعت أخبار حزب العدالة والتنمية في تركيا لتحل محلها أخبار باكستان ..على الأقل في قناة "الجزيرة" التي يزداد يوماً بعد يوم ، تخندقها مع  قوى الإسلام السياسي في كل مكان  بتياراتها المعتدلة والمتطرفة على السواء ، ودون تفريق "بين أحد منهم" .

الزعيمة بنازير بوتو اتفقت مبدئيا مع برويز مشرف على تقاسم السلطة .حزبها حزب الشعب انشق على نفسه في الموقف من الاتفاق بين مؤيد ومعارض .الأحزاب الإسلاموية اتفقت من جانبها مع الزعيم نواز شريف على مناوأة مشرف إلى النهاية .

الخيار أمام الباكستانيين يراد له أن ينحصر بين حكم عسكري حافظ على حد أدنى من الديمقراطية وبصورة شكلية ، وبين قوى إسلاموية معارضة تنتدب نفسها للدفاع عن الديمقراطية وتدلل على ذلك باحتضانها للجماعات المتطرفة ، وبإنشاء طالبان باكستان وبتعزيز القبلية .

تلك هي الخيارات الضيقة .وهي تعني العالم الإسلامي خارج باكستان . فالديمقراطيون الجدد في ذلك البلد يتخذون من التجييش الديني ومن دور العبادة وسيلة للصراع على السلطة ، ومن الواضح أنها وسيلة تؤسس لنزاعات أهلية مفتوحة ، خاصة إذا ما استذكرنا أن صراعاً طائفياً مسكوتاً عنه قد شهده هذا البلد في الأعوام الخمسة الماضية ، وكان يتخذ من استهداف المساجد والمصلين ساحة له . فيما يعرف القاصي والداني أن المناطق الحدود القبلية مع أفغانستان ظلت لأمد طويل ملاذاً لطالبان والقاعدة ، وبتسهيلات قدمها نظام برويز مشرف قبل أن يدرك هذا النظام أن الأمر قد يرتد عليه ، وهو ما يحدث منذ بضع سنوات .

يقال إن للولايات المتحدة دور في التقريب بين زعيمة حزب الشعب رئيسة الوزراء السابقة وبين برويز مشرف . لعل ذلك صحيح في جانب منه على الأقل وليس من المنطق إنكاره . لكن أحداً لا يملك إنكار أنه كان للظاهري وللقاعدة ، دور في تحريض أحزاب دينية على الحكم القائم ، ورسائل الرجل والثاني عبر" الجزيرة" بهذا الخصوص ما زالت طرية في الأذهان .. وليس بغرض إشاعة الديمقراطية ، بل لضمان تمتع القاعدة بدعم خفي . فللمسألة إذن أكثر من وجه  .

المنطق والمصلحة يقتضيان ان لا تتدخل الولايات في شؤون بلد مستقل ، وأن تكف عن التهديد السقيم بالتدخل لضرب مواقع في هذا البلد . فلكل بلد أولوياته وأسلوبه  في تدبير شؤونه ورعاية مصالحه ، بما في ذلك مناوأة التطرف من أي مصدر أتى ، ودون التغافل أن الحكم العسكري بصفته هذه هو من أحد عناوين التطرف . غير أن هناك إدراكاً عاماً بأن نظاماً أصولياً كالذي تبشر به بعض أطياف المعارضة الباكستانية ، ليس هو البديل الديمقراطي كما يوحي البعض  في متابعته المكثفة للتطورات في باكستان  . وربما كان دفع الحكم العسكري للتخلي عن هويته هذه وتقصير أمده ، والالتزام بالمؤسسات الدستورية ووقف التضييقات وخاصة الاعتقالات السياسية ، والكف عن التدخل في القضاء ، ربما كان هذا السبيل هو الأقل كلفة في الأمد المنظور . إن ديمقراطية يعتورها بعض النقص ، تظل أفضل من بديل شمولي قد يؤدي إلى ديكتاتورية شاملة تحت شعارات طنانة رنانة ، وتفتح الباب على صراعات بلا نهاية .

ابتدأ هذا المقال بالإشارة إلى التجربة التركية . ليس مطلوباً استنساخ واستيراد تجارب من الخارج ، غير أنه لا يعيب الإسلام السياسي في باكستان ولا في أي بلد ، الإفادة من تجربة متطورة في بلد إسلامي آخر . غير أن البعض في باكستان يكاد لا يكتم الإعجاب بتجربة طالبان ، فيما لا يكتم آخرون إعجابهم بالمعارضة الباكستانية وهي على ما هي عليه من توجهات و .. وعود .

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba