01 تشرين اول, 2007
مداواة الجرح الوطني
محمود الريماوي
لعلها ليست مجرد مصادفة أن يتزامن قيام مجلس الشيوخ الأميركي بطرح مشروع لتقسيم العراق ، في الوقت الذي كان فيه نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي وممثل الحزب الإسلامي العراقي بطرح مبادرة سياسية شاملة لعلاج المعضلة الداخلية . ليست مصادفة ففي الوقت الذي ينشط فيه نفر من أبناء العراق لجمع الكلمة ومداوة الجرح الوطني البليغ ، فقد كان سادة في مجلس الشيوخ يبحثون وفق منظورهم عن مصلحة بلادهم ، والقاضية بتكوين وتشريع كانتونات طائفية للشيعة والسنة والأكراد .
ذلك يدلل على القناعة بأن حل المشكل العراقي ، يبدأ بأيدي أبنائه أو لا يبدأ أبداً .أما إدارة بوش وخلفها بعض المشرعين فهي تبحث عن تأمين مصالح امبراطوريتهم ولو أدى ذلك إلى تمزيق بلد ظل موحداً طيلة تاريخه الحديث . لم يقبل البيت الأبيض المشروع غير أنه سيدرج كسيناريو " محتمل "على جدول أعمال القوة الكونية ، التي يقودها بعض العميان سياسياً .
أما مبادرة الهاشمي فترمي إلى تحقيق المصالحة الوطنية ووقف العنف الأهلي الغاشم واحترام حقوق الإنسان ، وإعادة الاعتبار للعملية السياسية بالمشاركة الجدية الواسعة وإجراء حوار شامل يخوض في القضايا التي توصف بالحساسة . وقد لقيت المبادرة قبولا ودعما من المرجع الشيعي الأعلى آية الله السيستاني . وقد أحسن الهاشمي صنعاً حين عرض المبادرة أولاً على المرجع وأطلقها من مكتب الأخير .
يذكر أن المرجع السيستاني قد نأى منذ نحو عام عن مجريات الأمور ، بعدما لاحظ شططاً متمادياً لدى بعض الزعامات الحاكمة والنافذة . وهذا هو التفسير الوحيد لابتعاد بعض تلك الزعامات عن مرجعيتها ومحاولتها تهميش دور وموقع المرجعية . وقد لوحظ أن ممثلين له قد تعرضوا للتصفية في ظروف غامضة في الآونة الأخيرة . غير أن الرجل الكبير يحظى باحترام واسع عند مكونات مختلفة لما يتمتع به من نزاهة ولتغليبه الاعتبارات الوطنية على ما عداها ، وبما يذكر ببعض الزعامات الدينية اللبنانية الرفيعة ، مثل السيد عبد الأمير قبلان والمفتي محمد القباني والبطريرك صفير . وهؤلاء لا يكفون عن تذكير الزعامات السياسية في بلدهم بالبديهيات والمحرمات الوطنية .
السيستاني لا يطلق تصريحات غير أن مكتبه يجيب على بعض الأسئلة ، فيما يستقبل الرجل من يقصدونه ودون آلات تصوير أو مسجلات . . وقد نسب الهاشمي للمرجع تفهمه لأسباب ودوافع انسحاب جبهة التوافق من حكومة المالكي .. يذكر أن الأخير بشر العراقيين قبل أيام، بأن "زمناً طويلاً سوف يمضي قبل أن يشهد العراق ويتمتع العراقيون بالاستقرار" .وربما أراد الرجل أن يسلك سلوك المصارحة ، غير أن ذلك على حسناته لا يكفي أبداً فالمطلوب الحد من معاناة الناس ، والعمل على تمثيل الشعب بمختلف مكوناته ، لا التمثيل الفئوي الذي برعت فيه هذه الحكومة ، وأدى إلى جانب نشاط القاعدة إلى فتح الأبواب على مصاريعها لكل أشكال شريعة الغاب ..
مبادرة المالكي تستحق وقفة نزيهة وداعمة من المعارضة ممثلة بإياد علاوي وبعض أطراف التيار الصدري وحزب الفضيلة والاتجاهات اليسارية والمستقلين ، فهي في النهاية ليست مبادرة رمز سياسي ألا حزب أو فئة ،بل هي مبادرة وطنية تأخذ في الاعتبار الهواجس والمطاليب المشروعة لسائر القوى ، وتضع رموزها أمام تحدي إدارة حوار جدي ومسؤول ، لكي يخرج الجميع من عنق الزجاجة بمن فيهم الفئة الحاكمة .
mdrimawi@yahoo.com